أخبار سريعة
الخميس 27 يونيو 2019

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الجنائز من صحيح مسلم باب: إغماض الميت والدعاء له إذا حُضر

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

عن أُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- قالتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم على أَبِي سَلَمَةَ، وقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ؛ فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَال: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ»، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ؛ فَقَال: «لَا تَدْعُوا على أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ علَى ما تَقُولُونَ»، ثُمَّ قَال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ واغْفِرْ لَنَا ولَهُ يا رَبَّ الْعَالَمِينَ وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ».

     الحديث رواه مسلم في الجنائز (2/634) وبوّب عليه النووي كتبويب المنذري، وقولها: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على أَبِي سَلَمَةَ» كان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعود المرضى من أصحابه، ويتفقد أحوالهم، ويدعو لهم بالشفاء، ويعلمهم ما يحتاجون من أمور طهارتهم وصلاتهم، ونحو ذلك.

قولها: «وقد شقّ بصره»

     قولها: «وقد شقّ بصره» هو بفتح الشين، أي: رفع بصره. قال القاضي: قال صاحب الأفعال: يقال شق بصر الميت، وشق الميت بصره، ومعناه : شَخَصَ، كما في الرواية الأخرى. وقال ابن السكيت في الإصلاح: يقال: شق بصر الميت، ولا تقل : شق الميت بصره، وهو الذي حضره الموت، وصار ينظر إلى الشيء، لا يرتد إليه طرفه.

قولها: «فأغْمضه»

قولها: «فأغْمضه» دليل على استحباب إغماض الميت، وأجمع المسلمون على ذلك، قالوا: والحكمة فيه ألا يقبح بمنظره لو تُرِك إغماضه؛ فهو مستحب, ولا شيء على مَنْ عجز عنه.

     قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: ينبغي لمَنْ حضر الميت إذا خرجت روحه، وانفتح بصره أنْ يغمضه، مادام حاراً؛ لأنه إذا برد وعيناه شاخصتان، بقيتا شاخصتين، قال العلماء: وينبغي أيضا: أنْ يُلين مفاصلة قبل أنْ تبرد وتشكل؛ وذلك بأنْ يرد ذراعه إلى عضده، وعضده إلى صدره، ثم يمد يده، ويرد الساق إلى الفخذ، والفخذ إلى البطن، ثم يمدها مرات عدة حتى تلين؛ ليسهل تغسيله وتكفينه. انتهى .

     قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الروح إذا قبض تبعه البصر»، معناه: إذا خرج الروح من الجسد، يتبعه البصر ناظراً أين يذهب، وفي (الروح) لغتان : التذكير والتأنيث، وهذا الحديث دليل للتذكير، وفيه دليل لمذهب أصحابنا المتكلمين ومن وافقهم أن الروح أجسام لطيفة متخللة في البدن، وتذهب الحياة من الجسد بذهابها، وليس عَرَضا كما قاله آخرون، ولا دما كما قاله آخرون، وفيها كلام متشعب للمتكلمين. (النووي).

شخوص البصر

     فالميت في الغالب يشخص بصره، أي تنفتح عينه باتساع؛ فيشاهد الروح إذا خرجت من البدن، وهذا يدل أنّ الروح  جسم وشيء يُرى، لكن لا يراه الناس في الدنيا، إنما يراه الميت والملائكة فقط، وليست عرضاً، ولكنه ليس كأجسامنا هذه؛ فأجسامنا غليظة، لكن الروح جسمٌ لطيفٌ يجري من ابن آدم مجرى الدم، وليس مخلوقاً من طين، بل من مادة الله -تعالى- أعلم بها؛ ولهذا قال الله -تعالى-: {ويَسْألونك عن الروح قلِ الروحُ مِنْ أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}(الإسراء :85).

     ولما دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقد شقّ بصره، عَرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد مات؛ فقال: «إنّ الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناسٌ من أهله» أي: من أهل الميت؛ وذلك لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا الكلام، عرفوا أنَّ أبا سلمة قد مات؛ فضجوا كعادة الناس وبكوا؛ فقال صلى الله عليه وسلم : «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخيرٍ؛ فإنَّ الملائكة يُؤمنون على ما تقولون»، وكانوا في الجاهلية إذا حصل مثل هذا، يدعون على أنفسهم بالويل والثبور؛ فيقولون: يا ويلاه، يا ثبوراه، وما أشبه ذلك، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النياحة في أحاديث كثيرة، وهي من الكبائر،  قال صلى الله عليه وسلم: « أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، ولا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، ولَكِنْ يُعَذِّبُ بِهذَا، وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ». رواه البخاري (1304) ومسلم (924).

لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير

     فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون»؛ ففي هذه الحالة ينبغي للإنسان أنْ يدعو لنفسه بالخير، ويقول ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم : «اللهم أجرني في مصيبتي هذه، واخلف لي خيراً منها» بعد قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا في كل مصيبة؛ فلا ينبغي للإنسان إذا أصيب بمصيبة أنْ يدعو لنفسه إلا بالخير .

الدعاء للميت

قولها : «ثم قال : اللهم اغْفر لأبي سلمة» إلى آخره ، فيه : استحباب الدعاء للميت عند موته ، ولأهله وذريته بأمور الآخرة والدنيا، قوله صلى الله عليه وسلم : «واخلفه في عقبه في الغابرين»، أي: الباقين، كقوله -تعالى-: {إلا امرأته كانت من الغابرين} .

     وكان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة رضي الله عنه أنْ قال: «اللهم اغْفر لأبي سلمة، وارْفع درجته في المَهْديين، ونوَّر له في قبره، وافسحْ له فيه، واخلفه في عقبه»؛ فهذه خمس كلمات ، وهي تساوي الدنيا كلها؛ فقوله: «اللهم اغفر لأبي سلمة»، يعني : اغفر له ذنوبه فلا تعاقبه عليها، وسامحه واعف عنه، «وارفعْ درجته في المهديين» أي : في الجنة؛ لأنّ أصحاب الجنة ، مهديون كلهم .

قوله: «وافسحْ له في قبره». أي : وسّع له فيه؛ فإنَّ القبر بالنسبة لمنازل الدنيا ضيق جداً، وهذا بحسب الحسِّ والبصر، لكنه يُفسح للمؤمن حتى يكون كمدّ البصر، ويكون روضة من رياض الجنة، كما جاء في الحديث .

«ونوّر له فيه»؛ فالقبر مُظلم بحسب الحس أيضاً؛ فليس فيه ضوء النهار، ولا نور السراج أو غيره، لكن ينوره الله -عز وجل- لمن يشاء من عباده الصالحين .

«واخلفه في عقبه». يعني كن خليفة له في ذريته . وكان مِن خلفه في عقب أبي سلمة رضي الله عنه ، أنَّ زوج الله -تعالى- النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة -رضي الله عنها -، وأولاده صاروا ربائب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتربوا في بيته وحجره .

«واغْفِرْ لَنَا ولَهُ يا رَبَّ الْعَالَمِينَ» وهذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه إذا دعا بدأ بنفسه؛ فيقول: اغفر لنا ولفلان، ونرجو الله أنْ يكون قد قبل دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم  في هذا الرجل الصالح في كل ما دعا له به .

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة