أخبار سريعة
الأربعاء 26 يونيو 2019

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الجنائز من صحيح مسلم - باب: ثواب من يموت له الولد فيحتسبه

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

  عَنْ جَابِرٍرضي الله عنه قَال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ، يَقُول: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ، إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ»، الحديث رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (4/2205-2206)، وبوب عليه النووي : باب : الأمر بحُسن الظن بالله -تعالى- عند الموت .

     عَنْ أَبِي هُرَيْرَة -رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَال لِنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: «لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ؛ فَتَحْتَسِبَهُ؛ إِلَّا دَخَلَتْ الْجَنَّةَ»، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوْ اثْنَيْنِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَال: «أَوْ اثْنَيْنِ»، وبإسناد آخر عنه مرفوعا: «لا يموتُ لأحدٍ من المسلمين؛ ثلاثة من الولد؛ فتمسًّه النارُ؛ إلا تحلة القسم».

هذا الحديث أخرجه مسلم في البر والصلة (4/2028) باب: فضل من يموت له ولدٌ فيحتسبه، وأخرجه البخاري في الجنائز: باب فضل من مات له ولد فاحتسب، وقوله -تعالى-: {وبشر الصابرين}.

نسوة الأنصار

       قوله «قال لنسوة من الأنصار» وفي رواية: جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، ذَهَب الرجال بحديثك؛ فاجعلْ لنا من نفسك يوماً؛ نأتيك فيه تعلمنا مما علَّمك الله، قال: «اجتمعن يوم كذا وكذا» فاجتمعن فأتاهن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فعلَّمهن مما علَّمه الله؛ ثم قال: «ما منكن من امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثةً؛ إلا كانوا لها حجابا من النار» فقالت امرأة: واثْنين واثنين واثنين؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «واثنين واثنين واثنين»؛ وفيه: اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعليم النساء أمور دينهن، ووعظهن وتذكيرهن بالله -تعالى.

تعدد القصة

قال الحافظ ابن حجر: وأما تعدد القصة ففيه بُعد؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما سُئل عن الاثنين بعد الثلاثة أجاب بأن الاثنين كذلك؛ فالظاهر أنه كان أوحى إليه في ذلك في الحال.

ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ

     قوله: «لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ» الولد يتناول الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والمفرد والجمع؛ وفي رواية أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلمٍ من الناس يتوفى له ثلاثة لم يبلغوا الحنث...». رواه البخاري.

لم يبلغوا الحنث

     قوله: «لم يبلغوا الحنث» أي: لم يبلغوا سنّ التكليف الذي يُكتب فيه الحنث، وهو الإثم والذنب؛ قال -تعالى-: {وكانوا يُصرُونَ على الحِنْث العَظيم} الواقعة: 46. وقيل: المراد بلغ زمانا يؤاخذ فيه بيمينه إذا حنث، قال الراغب: عبر بالحنث عن البلوغ؛ لأنّ الصبي قد يثاب، وخصّ الصغير بذلك؛ لأن الشفقة عليه أعظم، والحب له أشدّ، والرحمة له أوفر.

وعلى هذا فالقيد للاحتراز عمّن مات له ثلاثة بالغون.

السِّقط

- ويخرج السِّقط أيضاً من الحديث، لكن ورد في أحاديث أنه يدخل والديه الجنة، منها: حديث ابن ماجة: عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ - رضي الله عنه -: عنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ السِّقْطَ، لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ إِلى الجَنَّةِ؛ إِذا احْتَسَبَتْهُ». وصححه الألباني.

طلب الأجر والثواب

قوله: «فَتَحْتَسِبَهُ» قال ابن الأثير في معنى الاحتساب: المبادرة بطلب الأجر والثواب بالصبر والتسليم، أو القيام بالأعمال الصالحة، وأنواع البر على الوجه المرسوم لها؛ رجاء الأجر والثواب.

وقد ذكر البخاري قبل الحديث؛ قول الله -تعالى-: {وبشِّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون - أولئك عليهم صلواتٌ منْ ربّهم ورحمةُ وأولئك هم المهتدون} البقرة: 155- 157.

من القواعد الشرعية

     قال الحافظ ابن حجر: وقد عُرف من القواعد الشرعية أنّ الثواب لا يترتب إلا على النيِّة؛ فلا بدَّ من قيد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيّدة. وقال بعضهم: يقال في البالغ احتسب، ويقال في الصغير افترط، لكن قد يستعمل كل مكان الآخر. وذكر ابن دريد وغيره: احتسب فلان بكذا، أي: طلب أجرا عند الله، وهذا أعم من أن يكون لكبير أو صغير.

عظم المصيبة

- ومعلوم أنه كلما عظمت المصيبة عَظُم الصبر المطلوب لها، وكلما عظم الصبر والاحتساب كلما عظم الأجر، ومن أعظم المصائب موت الأطفال، ولاسيما إذا كان في بداية الحياة الزوجية، في الوقت الذي يتشوف فيه الوالدان إلى الأولاد والذرية؛ فالرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك لأصحابه، للنساء مرة، وللرجال مرة، في مناسبة موت بعض أطفالهم: ما من مسلم يموت له ثلاثة من الأولاد ذكورا أو إناثا، قبل أن يبلغوا الحلم إلا حرم الله عليه النار، وأدخله الجنة.

وعند أحمد: عن أبي هريرة بلفظ: «ما مِنْ مُسلِمَين يموت لهما ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدْخلهما اللهُ وإياهم - بفضل رحمته - الجنة». قوله «مُسلِمَين» أي: زوجين.

ورَغِبَ الصحابة في زيادة الفضل والثواب؛ فقالتْ امرَأَةٌ منْهُنَّ: أَوْ اثْنَيْنِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: «أَوْ اثْنَيْنِ». ويتأسف السائل بعد انفضاض المجلس أنه لم يقل: وواحد؟ وهو يَظنُ أنه لو قال ذلك لأجيب، ووسعته رحمة الله تعالى.

من أهل الجنة

     مسألة: قال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أنَّ من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنة. وتوقّف فيه بعضهم لحديث عائشة، يعني الذي أخرجه مسلم بلفظ: توفي صبي من الأنصار، فقلت: طوبى له لم يعمل سوءاَ ولم يدركه. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أو غير ذلك يا عائشة، إنَّ الله خلق للجنة أهلا». الحديث قال: والجواب عنه أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة. انتهى.

وقال القرطبي: نفى بعضهم الخلاف في ذلك، وكأنه عنى ابن أبي زيد، فإنه أطلق الإجماع في ذلك، ولعله أراد إجماع من يعتد به، وقال المازري: الخلاف في غير أولاد الأنبياء. انتهى.

وروى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند: عن علي مرفوعا: «إنَّ المسلمين وأولادهم في الجنة، وإنَّ المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ: {والذين آمنوا واتبعتهم} الآية.

وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية، وبه جزم ابن عباس.

وفي صحيح أبي عوانة: من طريق عاصم عن أنس: مات ابن للزبير؛ فجزع عليه؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مات له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحِنث كانوا له حِجابا من النار».

وروى مسلم أيضا في صحيحه: من حديث طلق بن معاوية عن أبي زرعة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتت امرأة بصبيٍ لها فقالت: يا نبي الله، ادع الله فلقد دفنت ثلاثة؛ فقال: «دفنت ثلاثة؟» قالت: نعم، قال: «لقد احْتَظرتِ بحظارٍ شديد من النار».

تحلة القسم

قوله: وبإسناد آخر عنه مرفوعا: «لا يموتُ لأحدٍ من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسًّه النارُ، إلا تحلة القسم».

     وتحلة القَسَم بفتح التاء وكسر الحاء وتشديد اللام، أي: ما يَنْحل به القسم، وهو اليمين، وهو مصدر حلل اليمين، أي: كفّرها، يقال: حلل تحليلا وتحلة. وقال أهل اللغة: يقال فعلة تحلة القسم، أي قدر ما حللت به قسمي ويميني، ولم أبالغ. وقال الخطابي: حللت القسم تحلة، أي أبررتها.

     قال القرطبي: اختلف في هذا القسم والمراد منه؛ فقيل: هو مُعين، وقيل: هو غير معين، فالجمهور على الأول، وقيل: لم يعن به قسم بعينه، وإنما معناه التقليل لأمر ورودها، وهذا اللفظ يستعمل في هذا. وقيل: الاستثناء بمعنى الواو، أي: لا تمسّه النار قليلاً ولا كثيراً ولا تحلة القسم، وقال بعضهم: المراد به قوله -تعالى- (وإنْ منْكم إلا واردها) مريم: 71.

     قال الخطابي: معناه لا يدخل النار ليعاقب بها، ولكنه يدخلها مجتازاً، ولا يكون ذلك الجواز إلا مقدار ما يحلل به الرجل يمينه، ويدل على ذلك: ما وقع عند عبد الرزاق بلفظ: «إلا تحلّة القسم، يعني الورود»؛ وعند سعيد بن منصور: ثم قرأ سفيان {وإن منكم إلا واردها}.

مَنْ حَرَس وراء المسلمين

      وأخرج أحمد (15612) والطبراني مرفوعا: «مَنْ حَرَس وراء المسلمين في سبيل الله -تبارك وتعالى-، متطوعا لا يأخذه سلطان، لم ير النار بعَينيه إلا تحلّة القسم، فإن الله -عز وجل- يقول: {وإن منكم إلا واردها} مريم: 71. وإسناده ضعيف، فيه زبّان بن فائد وابن لهيعة.

موضع القسم

     واختلف في موضع القسم من الآية: فقيل هو مقدر، أي: والله ما منكم إلا واردها. وقيل: معطوف على القسم الماضي في قوله -تعالى-: {فوربك لنحشرنهم...} أي: وربك ما منكم إلا واردها. وقيل: هو مستفاد من قوله -تعالى-: {حتما مقضيا} أي قسما واجبا.

وقال الطيبي: يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دل على القطع والبت من السياق؛ فإن قوله -تعالى-: {كان على ربك} تذييل وتقرير لقوله: {وإن منكم إلا واردها} فهذا بمنزلة القسم؛ بل أبلغ؛ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات.

      قال الحافظ ابن حجر: واختلف السلف في المراد بالورود في الآية: فقيل هو الدخول، روى أحمد والنسائي والحاكم: من حديث جابر مرفوعا: «الورود الدخول، لا يَبْقى برٌ ولا فاجر إلا دخلها؛ فتكون على المؤمنين بردا وسلاما» وروى الترمذي: عن عبدالله بن مسعود قال: يردونها أو يلجونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم.

وقيل المراد بالورود: المرور عليها. وزاد الطبري من طريق كعب الأحبار يستوون كلهم على متنها ثم ينادي مناد أمسكي أصحابك ودعي أصحابي فيخرج المؤمنون ندية أبدانهم.

أصحّ ما ورد

     قال الحافظ ابن حجر: وهذان القولان أصحّ ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما؛ لأنَّ مَنْ عبّر بالدخول تجوّز به عن المرور؛ لأنّ المار عليها فوق الصراط في معنى مَن دخلها؛ لكن تختلف أحوال المارة باختلاف أعمالهم؛ فأعلاهم درجة: مَنْ يمر كلمح البرق كما سيأتي في الرقاق إن شاء الله -تعالى- انتهى.

ومن الأقوال الضعيفة: قولُ من قال: الورود مختص بالكفار! ومن قال: معنى الورود: الدنو منها، ومن قال معناه: الإشراف عليها، ومن قال: معنى ورودها ما يُصيب المؤمن من الحُمّى.

وفي رواية «فيلج النار» والمراد بالولوج: الدخول.

وفي الرواية الثالثة «إلا كانوا لها حِجاباً من النار». وفي الرابعة «إلا دخلت الجنة» وهي محمولة على دخول الجنة مع أول الداخلين، فمن المسلمين من يدخل الجنة بعد دخوله النار.

فتمسه النار

     وقوله «فتمسه النار» وقوله «فيلج النار» بنصب الفعل؛ لأن المضارع ينصب بعد النفي، بتقدير «أن» لكن حكى الطيبي أن شرطه أن يكون بين ما قبل الفاء وما بعدها سببية، ولا سببية هنا؛ إذْ لا يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عدمه سبباً لولوج الأب والأم النار. قال: وإنما «الفاء» بمعنى الواو التي للجمع، وتقديره: لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من ولده وولوجه النار. قال: لا محيد عن ذلك إن كانت الرواية بالنصب، وأقره على هذا جماعة، قال: وإن كانت الرواية بالرفع فمعناه: لا يوجد ولوج النار عقب موت الأولاد إلا مقداراً يسيراً. اهـ

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة