أخبار سريعة
الجمعة 18 يناير 2019

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الجنائز من صحيح مسلم - باب: في أرواح المؤمنين وأرواح الكافرين

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

عن أَبِي هُريرة رضي الله عنه قال: «إِذا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ، تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِها»، قال حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِها، وذَكَرَ المِسْكَ، قال: «ويَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ، جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ- وعلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ؛ فَيُنْطَلَقُ بِه إِلى رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلّ-، ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ. قال: «وإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ»، قال حَمَّادٌ: وذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا، وذَكَرَ لَعْنًا، وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ، جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ . قَال: فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِه إِلى آخِرِ الْأَجَلِ، قال أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم رَيْطَةً كَانَتْ عليه على أَنْفِهِ، هَكَذَا .

 

 شرح الحديث

الحديث أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (4/2202) باب: عَرْض مقعدِ الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوّذ منه.

خروج روح المؤمن

      قوله: (إِذا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تلقاها ملكان). وفي الحديث الآخر ذكر الملائكة بالجمع، وقال القاري: هذا تفصيل للمجمل السابق، ويحتمل أنهما الكريمان الكاتبان، ولا ينافي الجمع فيما مر، أما على قول من يقول أقل الجمع اثنان فظاهر ، وأما على قول غيره فلاحتمال أن الحاضرين جمع المفوض إليه منهم ذلك اثنان، والبقية أو الكل يقولون لروحه: اخرجي أيتها النفس، أو القائل واحد ونسب إلى الكل مجازاً، كقوله -تعالى-: {فعقروها} الشمس: 14؛ وكقولهم: قتله بنو فلان، ويؤيده حديث البراء الآتي (يصعدانها) بضم الياء .

قوله “ قال حماد “ هو ابن زيد الأزدي البصري، راوي الحديث عن بديل عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة رضي الله عنه .

قوله: (فذكر). أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصحابي، وهو أبو هريرة، وكان سبب ذلك نسيان رواية لفظ النبوة في هذا دون معناه؛ فذكره بسياق يشعر بذلك، قاله القاري، والظاهر أن فاعل (ذكر) بديل بن ميسرة ، شيخ حماد بن زيد .

قوله: (من طيب ريحها). أي: أوصافها عظيمة، من طيب ريحها، (وذكر المسك).أي بطريق التشبيه، أي: رائحة كرائحة المسك.

وقال القاري: أي ومن أنواع ذلك المسك. وقال الطيبي: أي وذكر المسك، لكن لم يعلم أن ذلك كان طريقة التشبيه، أو الاستعارة أو غير ذلك، وقال الأبهري: الأظهر أنْ يقال: وذكر أن طيب ريحها، أطيب من ريح المسك .

قوله: (قال). أي : النبي صلى الله عليه وسلم «ويقول أهل السماء». أي: أهل كل سماء من الملائكة. (روح طيبة) مبتدأ، أو خبر لمحذوف هو: هي روح، وقوله: «جاءت من قبل الأرض». أي: جاءت الآن من قبل، بكسر القاف وفتح الموحدة، من جهة الأرض .

     قوله في روح المؤمن: «ثم يقول انطلقوا به إلى آخر الأجل، ثم قال في روح الكافر؛ فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل»، قال القاضي: المراد بالأول: انطلقوا بروح المؤمن إلى سدرة المنتهى، والمراد بالثاني، انطلقوا بروح الكافر إلى سجين؛ فهي منتهى الأجل، ويحتمل أن المراد إلى انقضاء أجل الدنيا .

قوله: (فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على أنفه». الريطة بفتح الراء وإسكان الياء، وهو ثوب رقيق، وقيل: هي الملاءة، وكان سبب ردّها على الأنف؛ بسبب ما ذَكر من نتن ريح روح الكافر.

الرحلة من الموت إلى البرزخ

     وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث البراء بن عازب، رحلة الإنسان من الموت إلى البرزخ؛ فقال: «حتى إذا خرجت روحه  صلى عليه كل مَلَك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل بابٍ، إلا وهم يدعون الله أنْ يعرج من قبلهم؛ فإذا أخذها - يعني ملك الموت - لم يَدَعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها؛ فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط؛ فذلك قوله -تعالى- : {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ}(الأنعام: 61)، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجدت على وجه الأرض.

الصعود بها

     قال: «فيصعدون بها ، فلا يمرون – يعني – بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيبة؟؛ فيقولون: فلان ابن فلان – بأحسن أسمائه التي كان يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا إلى السماء الدنيا؛ فيستفتحون له؛ فيفتح لهم؛ فيُشيّعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة؛ فيقول الله -عز وجل-: اكتبوا كتاب عبدي في عليّين، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}(المطففين: 19-21)؛ فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى».

الروح الخبيثة

     وتحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الروح الخبيثة، التي نزعت من العبد الكافر، أو الفاجر؛ فقال عنها بعد نزعها: «فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل مَلَك في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب، إلا وهم يدعون الله، ألا تعرج روحه من قبلهم؛ فيأخذها؛ فإذا أخذها، لم يَدَعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المُسُوح، ويخرج منها كأنتنِ ريح جِيفة وُجدت على وجه الأرض؛ فيَصعدون بها، فلا يَمرُون بها على مَلأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟؛ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا؛ فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}(الأعراف: 40).

     فيقول الله -عز وجل-: اكتبوا كتابه في سجين -، في الأرض السفلى ثم يقول: أعيدوا عبدي إلى الأرض؛ فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى؛ فتطرح روحه من السماء، طرحاً -حتى تقع في جسده -، ثم قرأ {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}(الحج : 31)؛ فتعاد روحه إلى جسده .

- وقد روى هانئ مولى عثمان بن عفان ، قال : كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبرٍ بكى ، حتى يَبل لحيته؛ فقيل له: تذكر الجنةَ والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ القبرَ أولُ منزلٍ من منازل الآخرة؛ فإنْ نجا منه؛ فما بعده أيسر منه، وإنْ لم ينجُ منه؛ فما بعده أشدُّ منه، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما رأيتُ منظراً قط، إلا القبر أفظع منه» . أخرجه الترمذي .

باب: في تَسْجية الموت

     عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ -رضي الله عنها- قالت: «سُجِّيَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ»، الحديث أخرجه مسلم في الجنائز (2/651)، وبوب عليه النووي بمثل تبويب المنذري؛ وقولها: «سُجّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ». سُجي معناه: غطي جميع بدنه.

     وفي الحديث: استحباب تسجية الميت وتغطيته، وهو مجمع عليه، وحكمته: صيانة الميت من الانكشاف، وستر صورته المتغيرة عن الأعين، قال النووي: قال أصحابنا: ويلف طرف الثوب المسجى به تحت رأسه، وطرفه الآخر تحت رجليه؛ لئلا ينكشف عنه، قالوا: تكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها؛ لئلا يتغير بدنه بسببها. انتهى. والحبرة: بكسر الحاء وفتح الباء الموحدة، وهي ضرب من برود اليمن.

     وقد ورد صفة الثوب الذي تُوفي فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، كما في حديث أَبِي بُردة قال: «دَخَلتُ على عائِشَةَ فَأَخْرَجَتْ إِليْنَا إِزَارًا غَلِيظًا؛ مِمَّا يُصْنَعُ بِاليَمَنِ، وكِسَاءً مِنْ التِي يُسَمُّونها المُلَبَّدَةَ، قال: فَأَقْسَمَتْ بِاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُبِضَ فِي هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ».

رواه البخاري في فرض الخمس (2877)، وفي اللباس (5370)، ومسلم في اللباس والزينة: باب التواضع في اللباس (3879) واللفظ له.

     قال النووي: فيه ما كان عليه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الزَّهَادة في الدُّنْيَا، والإِعْراض عن مَتَاعهَا وَمَلاذّهَا وَشَهَوَاتهَا، وفَاخِر لِبَاسها ونَحْوه, واجْتِزَائِهِ بِما يَحْصُل به أَدْنَى التَّجْزِئَة في ذلك كُلّه, وفِيه النَّدْب لِلاقْتِدَاءِ بِه صلى الله عليه وسلم فِي هذا وغيره. شرح مسلم

     و” الْمُلَبَّدَة”  قال الحافظ : اِسْم مَفْعُول مِنْ التَّلْبِيد، وقال ثَعْلَب: يُقَال لِلرُّقْعَةِ الَّتي يُرَقَّع بِها الْقَمِيص لُبْدَة. وقال النَّوَوِيّ: قال الْعلماء : الْمُلَبَّد هو الْمُرَقَّع , يُقال: لَبَدْت القَمِيص، أَلْبُدهُ، بِالتَّخْفِيف فيهِمَا, ولَبَّدْته أُلَبِّدهُ بِالتَّشْدِيدِ. وقِيل: هوَ الَّذي ثَخُنَ وَسَطه حَتَّى صَارَ كَاللِّبَدِ. انتهى .

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة