أخبار سريعة
الأربعاء 26 يونيو 2019

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الجنائز من صحيح مسلم- ما جاء في مُسْتَريح ومستراح منه

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

عن أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ - رضي الله عنه - أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فقَال: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَال: «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا والْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ والْبِلَادُ، والشَّجَرُ والدَّوَابُّ»، الحديث أخرجه مسلم في الجنائز (2/656) وبوب عليه النووي بمثل تبويب المنذري، ورواه البخاري في الرقاق (6513،6512) باب: سكرات الموت.

     وأبو قتادة الأنصاري السلمي، صحابي مشهور -فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم -، شهد أحداً، والخندق، والحديبية، وحنيناً، وله أحاديث عدة، واسمه: الحارث بن ربعي، على الصحيح، وقيل: اسمه: النعمان، وقيل: عمرو.ومن مناقبه في الصحيح: أنّه قال: «خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام حنين، الحديث، وفيه: فقال أبو بكر: لا ها الله، إذا لا يعمد إلى أسدٍ من أسْد الله، فيعطيك سَلبه، فأعطاني الدرع، فبعته. قال: فابتعت به مَخْرفا; فإنه لأول مال تأثَّلتُه» وروى ابن سعد: عن عبد الله بن عبيد بن عمير: أنّ عمر - رضي الله عنه - بعث أبا قتادة، فقتل مَلك فارس بيده، وعليه منطقة قيمتها خمسة عشر ألفا، فنفّلها إياه عمر، مات أبو قتادة سنة أربع وخمسين. وروى له الجماعة.

مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ

     قوله «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ» أي: مرّوا عليه بجنازةٍ، وقوله «فقال:  مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» قال النووي: «معنى الحديث أنَّ الموتى قسمان: مستريحٌ ومستراح منه، ونصب الدنيا: تعبها. وأما استراحة العباد من الفاجر معناه: اندفاع أذاه عنهم، وأذاه يكون من وجوهٍ منها: ظلمه لهم، ومنها ارتكابه للمنكرات؛ فإنْ أنكروها قاسوا مشقةً من ذلك، وربما نالهم ضرره، وإنْ سكتوا عنه أثموا.

     واستراحة الدواب منه كذلك؛ لأنه كان يُؤْذيها ويضر بها ويحمّلها ما لا تطيقه، ويُجيعها في بعض الأوقات، وغير ذلك، واستراحة البلاد والشجر، فقيل: لأنها تُمْنع القطر بمصيبته، قاله الداودي. وقال الباجي: لأنه يغصبها ويمنعها حقها من الشرب وغيره» انتهى. قال اِبن التِّين: يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْمُؤْمِنِ: التَّقيّ خَاصَّة، ويَحْتَمِل كُلّ مُؤْمِن، والفَاجِر يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد به الكافِرَ، ويَحْتَمِل أَنْ يَدْخُلَ فيه الْعَاصِي.

     وقال الدَّاوُدِيُّ: أَمَّا اِسْتِرَاحةُ الْعِبَادِ؛ فلِما يَأْتِي بِه مِنْ الْمُنْكَرِ؛ فإِنْ أَنْكَرُوا عليه آذَاهُم، وإِنْ تَرَكُوهُ أَثِمُوا، واسْتِراحة الْبِلاد مِمَّا يأْتي بِه مِنْ الْمَعَاصي؛ فَإِنَّ ذَلِكَ ممَّا يَحْصُلُ به الْجَدْبُ؛ فَيَقْتَضِي هَلَاكَ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ.

     قال: ويَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِراحة العِبَادِ منه؛ لِمَا يَقَع لَهُمْ مِنْ ظُلْمِهِ، وراحَةُ الْأَرْضِ منه؛ لِمَا يَقَع عليها مِنْ غَصْبِها ومَنْعِهَا مِنْ حَقِّها وصَرْفِهِ في غيرِ وَجْهِهِ، وراحة الدَّوَابِّ مِمَّا لَا يَجُوزُ مِنْ إِتْعَابِهَا، واَللّه أَعلم. (الفتح)؛ ولذا فليس لأحد - كائنًا من كان - أنْ يخرج من هذه القسمة ألبتة، أو يتجاوزها أو تتجاوزه، فلا بدَّ أنْ يكون أحد الوصفين له: إما مستريحٌ، وإما مستراحٌ منه، مستغرقًا له، دالاًّ عليه، واصفًا لحاله.

الموتى قسمان

     ففي الحديث أنّ الموتى قسمان: قسمٌ يستريح، وقسمٌ يُستَراح منه. فالأول: المؤمن، يستريح هو من نصب الدنيا وما فيها، وهو من أشار إليه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يَستريحُ مِن نَصَبِ الدنيا وأذاها إلى رحمة الله». وفي رواية للنسائي: «الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ؛ فَيَسْتَرِيحُ مِنْ أَوْصَابِ الدُّنْيَا، ونَصَبِهَا وأَذَاهَا». ولا سيما والدُّنيا: «سِجْن المؤمن»  كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح عند مسلم.

الاستراحة من نصب الدنيا

- فالقسم الأول: يستريح من نصب الدنيا: تعبها وأذاها، ويوضِّح مدى هذه الراحة والاستراحة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لما وَجَدَ مِن كرب الموت ما وَجَد، قالت فاطمة: واكَرْبَ أبتاهْ ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا كربَ على أبيك بعد اليوم»، أخرجه ابن ماجة (1629)، وابن حبان (6613)، عن أنس - رضي الله عنه -، وهو حديث صحيح.

     وذلك أنّ الكرب والحُزن، والهمّ والغمّ، عند المؤمن، ينتهي بنهاية الدنيا، وانقطاعه منها؛ وذلك لأنها تحجزه عما بعدها من السرور والراحة، والسعادة الأبدية، والتي لا ينغّصها شيء.

     وقال -تعالى- في ذلك: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) فصلت: 30، فيقول -تعالى- ذكره: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} وحده لا شريك له، وبرئوا من الآلهة والأنداد {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى؛ وقوله: {أَلا تَخَافُوا} أي: ما تُقْدِمون عليه من بعد مماتكم {وَلا تَحْزَنُوا} على ما تخلّفونه وراءكم.

قال مجاهد: لا تخافوا ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم من أهل وولد؛ فإنا نُخلفكم في ذلك كله.(الطبري).

الفاجر أو الكافر

- والقسم الثاني من الناس: الفاجر أو الكافر، تستريح منه الدنيا وأهلُها، وهو من أشار إليه قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «يستريح منه العبادُ والبلاد، والشجر والدوابُّ». نعم يستريح غيره منه -مِن أذاه وظُلمه، وسوء خُلقه وفُجوره- يستريح غيره من فساده الكبير، وشرِّه المستطير.

     قال أبو الوليد الباجي في (المنتقى شرح الموطأ): قوله - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا رَأَى الجِنازةَ: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ»، يُرِيدُ أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ النَّاسِ على ضَرْبينِ: ضَرْبٌ يَسْتَرِيحُ، وضَرْبٌ يُسْتَرَاحُ مِنْهُ؛ فَسَأَلُوهُ عَنْ تَفْسِيرِ مُرادِهِ بِذلِك، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُسْتَرِيحَ هو العَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَصِيرُ إِلى رَحْمَةِ اللَّهِ، وما أَعَدَّ له مِنْ الجَنَّةِ والنِّعْمَةِ، ويَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وتَعَبِهَا وأَذَاهَا.

     والْمُسْتَرَاحُ مِنه: هو الْعَبْدُ الفَاجِرُ، فإِنَّهُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ والْبِلَادُ والشَّجَرُ والدَّوَابُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَذَاهُ لِلْعِبَادِ بِظُلْمِهِمْ، وَأَذَاهُ لِلْأَرْضِ وَالشَّجَرِ بِغَصْبِهَا مِنْ حَقِّهَا وَصَرْفِهَا إِلَى غَيْرِ وَجْهِهَا، وإِتْعَابِ الدَّوَابِّ بِمَا لَا يَجُوزُ له مِنْ ذلِك فهذا مُسْتَرَاحٌ منه، وقال الدَّاوُدِيُّ مَعْنَى يَسْتَرِيحُ مِنْه العِبَادُ أَنَّهم يَسْتَرِيحُونَ مِمَّا يأْتِي بِه مِنْ الْمُنْكَرِ، فإِنْ أَنْكَرُوا عَليهِ نَالَهُم أَذَاهُ، وإِنْ تَرَكُوهُ أَثِمُوا؛ واسْتِرَاحَةُ الْبِلَادِ أَنَّهُ بِما يَأْتِي مِنْ الْمَعاصِي تَخْرُبُ الْأَرْضُ فَيَهْلِكُ لِذَلِك الحَرْثُ والنَّسْلُ؛ وهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فيه نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَنْ نَالَهُ الْأَذَى مِنْ أَهْلِ الْمُنْكَرِ؛ لَا يأْثمُ بِتَرْكِ الْإِنْكَارِ عليهِم، ويَكْفِيه أَنْ يُنْكِرَهُ بِقَلْبِهِ، أَوْ بِوَجْهٍ لا يَنَالُهُ به أَذَاهُ؛ وسَيَأْتِي ذلِك مُفسَّرًا فِي الجامِعِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ».

من فوائد الحديث

1- ربما هذا المُستراح منه، الذي تستريح منه البلادُ والعباد، يكون مغروراً بنفسه وحاله؛ لما يقع من منَح الله -عز وجل- له وعطاياه في الدنيا ابتلاءً واختبارًا، فيظن أنه محسن غير مسيء! وأنّ له مكانة ومنزلة ليست لغيره، ولم يَدْرِ هذا الأخرقُ أن هذا الإعطاء من الدنيا ليست ميزانًا على القَبول والرضا عند الله، وأنها لا تعدو أنْ تكون استدراجًا؛ ولذلك ردَّ الله -تعالى- على هذه الدعوى في آيات كثيرة، منها قوله -عز وجل-: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} آل عمران: 178.

     وقال -عز وجل-: {والذينَ كذّبوا بآياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} (الأعراف: 182-183)، وقال الله -عز وجل-: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ}( المؤمنون: 55)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «.. وإنَّ الله يُعطي الدنيا مَنْ يُحبُّ ومَن لا يحب، ولا يُعطي الإيمان إلا من أحب..». رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب. الصحيحة (2714). وظن هذا المغرور المستدرج أنه عند موته سيَنال من النِّعم مثل ما كان يناله في الدنيا، كما ذكر الله -تعالى- قول من قال منهم: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} فصلت: 50.

أو قول الآخر: {ولَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} الكهف: 36. قياسًا منه للآخرة على الدنيا وهو قياس فاسد باطل.

المؤمنون شهداء الله -عز وجل

2- المؤمنون شهداء الله -عز وجل- في الأرض؛ فإذا أراد أحدُنا أنْ يعلم حال الميت من أي النوعين هو؟ فعليه أنْ يسمع ما يقوله المؤمنون فيه، من أقربائه وجلسائه وجيرانه وممن هم حوله، الذين هم شهداء الله -عز وجل- في الأرض، وهل هم يُثنون بالخير عليه أم لا؟، ولا بدّ أن يكونوا جمعًا من المسلمين الصادقين، وأقلُّهم اثنان، من ذوي الصلاح والعلم.

فعن أنس - رضي الله عنه - قال: مُرَّ على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بجنازة، فأُثنِي عليها خيرًا، وتتابعت الألسن بالخير، فقالوا: كان - ما علِمْنا - يحبُّ الله ورسوله، فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: «وَجَبَتْ وجبت وجبت»، ومُرَّ بجنازة فأُثنِيَ عليها شرًّا، وتتابعت الألسن لها بالشر، فقالوا: بئس المرءُ كان في دين الله ! فقال نبي الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «وَجَبَتْ وَجَبت وَجَبت»، فقال عمر: فدى لك أبي وأمي، مُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًّا، فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أثنَيْتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار، الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض». أخرجه البخاري (1367)، ومسلم (949) واللفظ له.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة