أخبار سريعة
الجمعة 18 يناير 2019

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الجنائز من صحيح مسلم - باب : في غسل الميت

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ -رضي الله عنها- قالت: لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قال لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَو خَمْسًا، واجْعَلْنَ فِي الخَامِسَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فإِذا غَسَلْتُنَّهَا فَأَعْلِمْنَنِي»، قَالَتْ: فَأَعْلَمْنَاه؛ فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ ، وَقَال : «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» . الحديث رواه مسلم  في كتاب الجنائز (2/648) وبوب عليه النووي كتبويب المنذري، ورواه البخاري في كتاب الجنائز: باب كيف الإشْعار للميت .

 

     وأُمِّ عَطِيَّةَ هي نسيبة بنت كعب الأنصارية، صحابية مشهورة، مدنية ثم سكنت البصرة، قال النووي في (تهذيب الأسماء واللغات) في ترجمتها : وهي مِن فاضلات الصحابيات، والغازيات منهن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت تغسل الميتات، وهي التي غسلت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واسمها : نسيبة .

قولها: «لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ»

قولها: «لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم » تصريح بأن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلمهذه التي غسلتها، هي زينب -رضي الله عنها-، وهكذا قاله الجمهور، قال القاضي عياض: وقال بعض أهل السير: إنها أم كلثوم، والصواب: زينب، كما صرح به مسلم في روايته التي بعد هذه، وقال ابن عبد البر: وكل بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم تُوفين في حياته، إلاّ فاطمة؛ فإنها توفيت بعده بستة أشهر، وقيل: بثمانية أشهر، ولم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة ابنته رُقية؛ لأنه كان بِبَدْر. انتهى.

زينب -رضي الله عنها

     وزينب -رضي الله عنها-، قال ابن عبد البر: كانت أكبر بناته -رضي اللَّه عنهن- وماتت سنة ثمان مِن الهجرة، وقال ابن حجر عنها: أول مَن تزوّج منهنّ، وُلِدت قبل البعثة بِمُدّة. قيل: إنها عشر سنين، وتزوّجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمي، وأمّه هالة بنت خويلد، وذَكَر أسْرَ أبا العاص ومَنّ النبي صلى الله عليه وسلم عليه، ثم قال: ومضى إلى مكة فأدّى الحقوق لأهلها، ورجع فأسلم في المحرم سنة سبع، فَرَدّ عليه زينب بالنكاح الأول .

قوله صلى الله عليه وسلم: «اغْسلنها ثلاثا»

     قوله صلى الله عليه وسلم: «اغْسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك»، وفي رواية : «ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك، إنْ رأيتن ذلك»، وفي رواية: «اغسلنها وِتراً، ثلاثاً أو خمسا». وفي رواية: «اغْسلنها وتراً خمساً أو أكثر».

     وهذه الروايات متفقة في المعنى، وإنْ اختلفت ألفاظها، والمراد: اغْسلنها وتراً، وليكنْ أقلهن ثلاثا؛ فإن احتجتن إلى زيادة عليها للإنقاء فليكنْ خمساً؛ فإنْ احتجتن إلى زيادة الإنقاء فليكن سبعا، وهكذا أبداً. وحاصله أنَّ الإيتار مأمور به، والثلاث مأمور بها ندباً؛ فإن حصل الإنقاء بثلاث لم تشرع الرابعة، وإلا زِيد حتى يحصل الإنقاء، ويندب كونها وتراً.

فرض كفاية

     وأصل غسل الميت فرض كفاية، وكذا حمله وكفنه والصلاة عليه ودفنه، كلها فروض كفاية، والواجب في الغسل مرة واحدة عامة للبدن، قال ابن قدامة: جَعَل جميع ما أمَرَ به وتراً. وقال أيضا: «اغسلنها وترا». ولا يُقطع إلاّ على وتر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «اغسلنها ثلاثاً أو خمسا أو سبعا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن».

- ورَوى عبد الرزاق: عن ابن سيرين قال: يُغسل الميت وتراً، وقال إبراهيم النخعي: غسل الميت وِترٌ ، وكفَنه وِتر ، وتجميره وِتر.

هل يُزاد على سبع غسلات؟

     قال ابن قدامة: قال أحمد: ولا يُزاد على سبع، والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : «اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا» لم يَزِد على ذلك؛ ولأن الزيادة على الثلاث، إنما كانت للإنقاء، وللحاجة إليها؛ فكذلك فيما بعد السبع، ولم يذكر أصحابنا أنه يزيد على سَبْع .

     وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنْ رأيتنّ ذلك» بكسر الكاف، خطابٌ لأم عطية، ومعناه: إنْ احتجتنّ، وليس معناه التخيير، وتفويض ذلك إلى رأيهن، وكانت أم عطية -رضي الله عنها- غاسلة للميتات.

قوله صلى الله عليه وسلم : «بماءٍ وسدر»

     وقوله صلى الله عليه وسلم: «بماءٍ وسدر»، فيه دليل على استحباب استعمال (السّدر) في غسل الميت، وهو متفقٌ على استحبابه، ويكون في المرة الواجبة، وقيل: يجوز فيهما.

 

     قوله صلى الله عليه وسلم: «واجعلن في الآخرة كافوراً، أو شيئاً من كافور».فيه استحباب شيء من الكافور في الأخيرة، وهو متفق عليه عندنا ، وبه قال مالك وأحمد وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يستحب، وحجة الجمهور هذا الحديث؛ ولأنه يطيب الميت، ويصلب بدنه ويبرده، ويمنع إسراع فساده، أو يتضمن إكرامه.

قولها: «فألقى إلينا حِقْوه».

     وقولها: «فألقى إلينا حِقْوه»؛ فقال: «أشْعرنها إياه» هو بكسر الحاء وفتحها لغتان، يعني: إزاره، وأصل الحقو: معقد الإزار، وجمعه أحق وحقي، وسمي به الإزار مجازاً؛ لأنه يشدُّ فيه.

     ومعنى: «أشعرنها إياه» أي: الْفِفْنَها فيه، واجعلنه شعاراً لها، وهو الثوب الذي يلي الجسد، سُمّي شعاراً؛ لأنه يلي شعر الجسد، والحكمة في إشعارها به: تبريكها به؛ ففيه التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم ولباسه، وفيه: جواز تكفين المرأة بثوب الرجل .

مسائل مهمة

وفي الحديث عدد من المسائل وهي:

أصل في غسل الميت

     أن حديث أم عطية هذا أصل في غسل الميت عند العلماء، وكان التابعون يأخذون غسل الميت عن أم عطية -رضي الله عنها-، رَوى أبو داود: عن محمد بن سيرين: أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية، يغسل بالسدر مرتين، والثالثة بالماء والكافور، قال ابن عبد البر: ولست أعلم في غسل الميت حديثا جعله العلماء أصلا في ذلك، إلاَّ حديث أم عطية الأنصارية هذا؛ فعليه عَدَلوا في غسل الموتى .

      ثم نَقَل ابن عبد البر عن الإمام أحمد قوله: ليس في حديث غسل الميت أرفع مِن حديث أم عطية ولا أحسن منه، فيه ثلاثا أو خمسا أو سبعا، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها، ثم قال: ما أحسنه!

قال ابن عبد البر: يُقال إن أعلم التابعين بغسل الميت ابن سيرين ثم أيوب بعده، وكلاهما كان غاسلا للموتى يتولّى ذلك بنفسه. اهـ .

وضع السدر

     المسألة الثانية: اخْتُلِف في وضع السِّدر والكافور، في أي غَسْلَة؟ قال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: أتذهب إلى السدر في الغسلات كلها؟ قال: نعم، السدر فيها كلها على حديث أم عطية «اغسلنها ثلاثاً أو خمسا أو أكثر مِن ذلك، إنْ رأيتن ذلك بماء وسدر».

قال: في حديث ابن عباس: «بماء وسدر».

قال ابن عبد البر: أكثر العلماء أن يُغسّل الميت الغَسْلة الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بماء فيه كافور.

السنة في تكفين الميت

المسألة الثالثة: السُّـنّة أن يُكفَّن الميت في ثلاثة أثواب، والمرأة في خمسة .

     سئل جابر بن زيد عن الميت: كم يكفيه مِن الكَفن؟ قال: كان ابن عباس يقول: ثوبٌ، أو ثلاثة أثواب، أو خمسة أثواب. رواه ابن أبي شيبة.

     وقال الإمام مالك: ليس في كفن الميت حدّ، ويُستحب الوتر، وفي رواية أخرى عنه: أحب إلي أن يُكفّن الرجل في ثلاثة أثواب ويُعمم، ولا أحب أن يُكفن في أقل مِن ثلاثة أثواب. نقله ابن عبد البر.

التبرك بالآثار

     المسألة الرابعة: في الحديث جواز التبرك بالآثار المحسوسة للنبي صلى الله عليه وسلم، كشعره، وعَرَقه، وريقه، ووضوئه، وطعامه، وثيابه، وسيفه، وجبته، وغيرها، وقد اتفق المسلمون بالإجماع على ذلك، وهي فضيلة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومعجزه من معجزات نبوته، وليست لأحدٍ غيره، والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، منها:-

أ- حديث أَنَسِ رضي الله عنه أنهٍ قال: لَمَّا رَمَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الجَمْرَةَ ونَحَرَ نُسُكَهُ وحَلَقَ، نَاوَلَ الحالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَه، ثُمَّ دَعَا أَبا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ فأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ فَقَال: «احْلِقْ» فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبا طَلْحة، فَقال: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ». رواه مسلم (1305).

ب - حديث أُمَّ سُلَيْمٍ -رضي الله عنها: كانتْ تَبْسُطُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نِطَعًا فيَقِيلُ عندها على ذلك النِّطَعِ؛ فإِذا نَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وشَعَرِهِ؛ فَجَمَعَتْهُ فِي قَارُورَةٍ ، ثُمَّ جَمَعَتْهُ فِي سُكٍّ، قَال ثمامة بن عبد الله بن أنس: فَلَمَّا حَضَرَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْوَفَاةُ، أَوْصَى إِليَّ أَنْ يُجْعَلَ في حَنُوطِهِ مِنْ ذَلِكَ السُّكِّ، قال: فَجُعِلَ في حَنُوطِهِ. رواه البخاري (6281).

     فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن ذات النبي صلى الله عليه وسلم وما انفصل عنها، قد جعل الله فيها البركة، ويرجى بسببها الخير في الدنيا والآخرة، وقد أقرّ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه لالتماس البركة منه في ذلك، وقد تبرك الصحابة بما بقي من آثاره الحسية بعد موته، كخاتمه وبردته وسيفه وعصاه وشعره وثيابه وآنيته ونعله وغيرها، واستمر الأمر على ذلك سنوات ممن أتى بعدهم، ثم انقرضت هذه الآثار .

     فالزعم الآن بأن هذا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم أو آثاره، زعم لا يسنده دليل، وعامة ما يقال في ذلك هو نوع من الكذب والخرافة؛ فليُتنبه!

التبرك بآثار الصالحين

     قول النووي عند قوله: «فألقى إلينا حِقْوه فقال: أشْعرنها إياه»؛ ففيه: «التبرك بآثار الصالحين ولباسهم». ونحوه عن الحافظ ابن حجر، قول غير صحيح!

     فليس في الحديث حجةٌ على جواز التبرك بآثار الصالحين ولا لباسهم ؛ لأن آثار النبي صلى الله عليه وسلم ليست كآثار غيره، ولا يجوز التبرّك بآثار الصالحين؛ لِعدم ورُود ذلك عن الصحابة، بل ثبت عكس ذلك عنهم؛ فلم يتبرك الصحابة -رضي الله عنهم- بأحدٍ منهم، لا في حياته، ولا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، لا مع الخلفاء الراشدين، ولا مع غيرهم؛ فدلّ ذلك على أنهم قد عرفوا أنَّ ذلك خاصٌ بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره؛ ولأنّ ذلك وسيلة إلى الشرك وعبادة غير الله -سبحانه-؛ فالتبرّك بآثار الصالحين يُفضي إلى الغلوّ والشرك.

التبرك الصحيح

      ومع ذلك؛ فنحن نؤمن بالتبرك الصحيح، فيما جعل الله فيه البركة، من الأعمال الصالحة والذوات؛ فنتبرك بدعاء الصالحين ومجالسهم وعلمهم، لا بذواتهم أو آثارهم، ونتبرك بتلاوة القرآن، وبالصلاة وبذكر الله، وبشرب ماء زمزم، وكذلك نؤمن ببركة مكة، والمدينة، والأقصى، والشام، واليمن، وبركة عجوة المدينة، وشجرة الزيتون، والنخلة، وبركة السحور، والمطر، وببركة بعض الأزمان، كأيام رمضان ولياليه، وليلة القدر خصوصا، والعشر من ذي الحجة، ويوم الجمعة، والثلث الأخير من الليل، وغيرها مما ثبت في الأحاديث الصحيحة .

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة