أخبار سريعة
الجمعة 26 ابريل 2019

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الجنائز من صحيح مسلم - في التَّكبير على الجنازة

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

نستكمل ما بدأناه في العدد الماضي من شرح حديث أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه : «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ؛ فَخَرَجَ بِهِمْ إِلى الْمُصَلَّى وكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ»، وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَبِي لَيْلَى قال: كان زَيْدٌ يُكَبِّرُ على جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وإِنَّهُ كَبَّرَ على جَنَازَةٍ خَمْسًا؛ فسَأَلْتُهُ فقال: كَان رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُهَا، الحديث الأول: رواه مسلم في الجنائز (2/656) وبوب عليه النووي بمثل تبويب المنذري، ورواه البخاري في الجنائز ( 3/202) باب: التكبير على الجنازة أربعاً، والحديث الثاني: رواه مسلم في الجنائز (2/659) باب الصلاة على القبر.

الصلاة على الغائب

حُكم الصلاة على الغائب: اختُلِف الفقهاء في الصلاة على الغائب على أقوال، أشهرها:

- الأول: المنع من الصلاة على الغائب إذا صُلِّي عليه.

- والثاني: جواز صلاة الغائب على كل مسلم؟

- والثالث: الصلاة على مَن كانت له مكانة وغنى في الإسلام .

     الذي يظهر ويترجّح بالأدلة: هو القول الأول؛ فقد مات مَن مات من الصحابة -رضي الله عنهم- في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، مع بُعد المسافة، ولم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحدٍ من أصحابه أنه صلى عليهم صلاة غائب، وإنما فعل ذلك مع النجاشي؛ لأنه كان مُسلما، وفي بلد غُربة ليس هناك من يُصلّي عليه، أو لم يكونوا يعلمون بمشروعية الصلاة على الميت، كما نصَّ عليه غير واحد من أهل العلم .

     قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «ولم يكن مِن هَديه وسُنته صلى الله عليه وسلم الصلاة على كل ميت غائب؛ فقد مات خَلْق كثير من المسلمين وهم غُيَّب؛ فلم يُصَلّ عليهم، وصح عنه: أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت؛ فاخْتَلَف الناس في ذلك على ثلاثة طرق:

- أحدها: أن هذا تشريعٌ منه، وسُنة للأمة، الصلاة على كل غائب، وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه .

     وقال أبو حنيفة ومالك : هذا خاصٌ به، وليس ذلك لغيره، قال أصحابهما: ومِن الجائز أنْ يكون رُفِع له سريره؛ فصَلَّى عليه وهو يَرى صلاته على الحاضِر المشاهَد، وإنْ كان على مسافة من البعد، والصحابة - وإنْ لم يروه - فهم تابعون للنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، قالوا: ويَدُلّ على هذا أنه لم يُنْقَل عنه أنه كان يُصَلِّي على كل الغائبين غيره، وتَرْكه سُنة، كما أنَّ فِعْله سنة، ولا سبيل لأحدٍ بعده إلى أنْ يُعاين سرير الميت مِن المسافة البعيدة، ويُرفع له حتى يُصَلِّي عليه؛ فعُلِم أن ذلك مخصوص به».

قول شيخ الإسلام ابن تيمية

     ونقل ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قوله: «الصواب أنَّ الغائب إنْ مات بِبَلَدٍ لم يُصَلّ عليه فيه، صُلِّي عليه صلاة الغائب، كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي؛ لأنه مات بين الكفار، ولم يُصَلّ عليه، وإن صُلِّي عليه حيث مات؛ لم يُصَلّ عليه صلاة الغائب؛ لأن الفرض قد سَقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم صلَّى على الغائب وتَرَكه، وفِعْلُه وتَرْكُه سُنَّة، وهذا له موضعٌ، وهذا له موضع، والله أعلم، والأقوال ثلاثة في مذهب أحمد ، وأصحها : هذا التفصيل . اهـ .

وقال ابن العربي: الذي عندي في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، أنه عَلِم أن النجاشي ومَن آمن معه ليس عندهم مِن سُنة الصلاة على الميت أثَر؛ فَعَلِم أنهم سيدفنونه بغير صلاة؛ فبادر إلى الصلاة عليه .  

وقال ابن حزم عن صلاة الغائب: ومَنع من هذا: مالك، وأبو حنيفة، وادعى أصحابهما الخصوص للنجاشي، وهذه دعوى كاذبة بلا برهان. اهـ .

وقال الشيخ الألباني في صلاة الغائب: مَن مات في بلد ليس فيها مَن يُصلِّي عليه صلاة الحاضر؛ فهذا يُصلِّي عليه طائفة مِن المسلمين صلاة الغائب؛ لِصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي.

ومما يؤيد عدم مشروعية الصلاة على كل غائب: أنه لَمَّا مات الخلفاء الراشدون وغيرهم؛ لم يُصَلّ أحدٌ مِن المسلمين عليهم صلاة الغائب، ولو فعلوا لتواتر النقل بذلك عنهم .

     فقابِل هذا بما عليه كثير من المسلمين اليوم مِن الصلاة على كل غائب؟! لاسيما إذا كان له ذِكر أوْ صِيت ولو مِن الناحية السياسية فقط، ولا يُعرف بصلاح أو خدمة للإسلام، ولو كان مات في الحرم المكي وصَلَّى عليه الآلاف المؤلفة في موسم الحج صلاة الحاضر، قابل ما ذَكرنا بمثل هذه الصلاة، تَعْلَم يَقينًا أن ذلك مِن البدع التي لا يَمْتَري فيها عالِمٌ بِسنته صلى الله عليه وسلم ومذهب السلف -رضي الله عنهم-. اهـ .

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة