أخبار سريعة
الأربعاء 26 فبراير 2020

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: ما فيه الزّكاة من الأموال العَين والحَرث والمَاشية

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ؛ وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ؛ وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»، هذا الحديث رواه مسلم في أول كتاب الزكاة (2/673)، ورواه البخاري في الزكاة (3 /271) برقم (1405) باب: ما أدّى زكاته فليس بكنز.

نصاب الحبوب والثمار

     قوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» أَوسق: جمع «وَسق» وفيه لغتان: فتح الواو وهو المشهور؛ وكسرها؛ وأصل الوسق في اللغة: الحمل، وهو ستون صاعاً بالصاع النبوي، وفي رواية البخاري: «ليس فيما دُون خَمسة أوسق مِن التمْر صَدقة»، وإذا كان الوَسق ستون صاعا، والـنِّصَاب خمسة أوسق، فالـنِّصَاب يكون ثلاثمائة صاع، فهذا نصاب الحبوب والثمار؛ فلا تَجب الزكاة في أقلّ من ذلك، وفي رواية للدارمي والنسائي: «ليس فيما دُون خَمسة أوسق صَدقة؛ مِن حَبّ ولا تَمْر».

الصاع النبوي

     والصاع النبوي يساوي: أرْبعة أمداد، والمدُّ هو: ملء اليدين المعتدلتين، وأما بالنسبة لتقديره بالوزن؛ فهو يختلف باختلاف نوع الطعام المكيل، ومن هنا اختلفوا في حسابه بالكيلو جرام، فمنهم من قدره بـ 2040 جرامًا، ومنهم مَنْ قدّره بـ2176 جرامًا، ومنهم مَنْ قدره بـ2751 جرامً، اوقدرته اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية بما يساوي: ثلاثة كيلو جرام تقريبًا، والله أعلم.

ضبط الصاع بالأرْطال

 وقال النووي -رحمه الله- في: (روضة الطالبين): قد يُستشكل ضبط الصاع بالأرْطال، فإنَّ الصاع المخرج به في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكيالٌ معروف، ويختلف قدْرُه وزناً؛ باختلاف جنس ما يخرج، كالذّرة والحمص وغيرهما. انتهى؛ فصاع التمر يساوي ثلاثة كيلو تقريبا؛ فيكون ثلاثمائة صاع يساوي تسعمائة كيلا (كيلو) هذا في التَّمر، وأما البرّ (الحِنْطة): فما زِنَتُه بالبُرِّ الجيد ألفين وأربعين جرامًا؛ فتكون زِنَة النّصاب بالبُر الجيد: ستمائة واثني عشر كيلو.

الخارج من الأرض

     وفي الحديث: أنَّ الزكاة تجبُ في الخارج من الأرض من الحُبوب والثمار، ولا تجبُ الزكاة فيه حتى يبلُغَ نصابًا، وهو خمسة أوسق، والوَسْق ستون صاعًا بصاعِ النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فيكون النصاب: ثلاثمائة صاعٍ بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا زكاة فيما دونها؛ ولا تجب الزكاة في الفواكه والخضراوات والبِطِّيخ ونحوها؛ لأنّ هذه الثّمار لا تكال، وقد روي عن مُعَاذٍ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ كَتَبَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يَسْأَلُهُ عن الخضروات؛ وَهِيَ الْبُقُولُ؛ فقال «ليس فيها شَيْءٌ». رواه الترمذي (638) وضعفه.

مفهوم الذَّود

     قوله: «وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» قوله «ذَود» الذَّود: يُطْلق على الثلاث من الإِبل إِلى العشرِ؛ ولا واحدَ له مِنْ لفظه؛ كالنّفر والرّهط والقوم والنساء، قال القرطبي في الْمُفْهِم: وأصل وَضْع الذَّود؛ إنما هو مصدر، مِن ذَاد يَذود، إذا دفع شيئًا، فكأنَّ مَن كان عنده؛ دفع عن نفسه مَعَرّة الفقر، أو شدّة الفَاقة والحاجة. اهـ؛ وعلى هذا فالثلاث والأربع من الإبل؛ ليس فيها زكاة.

قوله: «خمسِ ذود»

     وقوله: «خمسِ ذود»: الرواية المشهورة فيه على الإضافة، ومنهم مَن يَرْوِيه بالتنوين على البَدَل. قاله القرطبي في الْمُفْهِم، ومفهوم الحديث أنّ الخمس وما زاد عليها؛ فيها زكاة، وهذا كقوله -تعالى-: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) النساء: 11، ومفهومه: إن كُنّ اثنتين فما فوق فلهن ثُلُثا ما تَرَك.

الأموال التي تجب فيها الزكاة

     ففي الحديث: أنّ من الأموال التي تجب الزكاة فيها: بهيمة الأنعام؛ وهي: الإبل، والبقر، والغنم ضأنًا كانت أم معزًا، إذا كانت سائمة؛ وأُعدت للدرِّ والنسل، والسائمة هي: التي ترعى الكلأ النابت بدون بذر آدمي؛ كل السَّنة أو أكثرها، فإنْ لم تكن سائمة، فلا زكاة فيها، إلا إذا أُعدَّت للتكسب بالبيع والشراء، فهي من عروض تجارة؛ تُزكَّى زكاة تجارة، سواء كانت سائمة أو معلّفة، إذا بلغت نصاب التجارة بنفسها؛ أو بضمها إلى تجارته من غيرها أو ماله، ويشترط لزكاة السائمة من بهيمة الأنعام أن تبلُغ نصابًا، وأقل النّصاب في الإبل: خمس كما في حديث الباب، وفي البقر: ثلاثون، وفي الغنم: أربعون؛ كما سيأتي بيانه.

الزكاة لا تَجِب في كُلّ مالٍ

وفي الحديث: أنّ الزكاة لا تَجِب في كُلّ مالٍ، بل في أموالٍ دُون أموال، وأنَّ بُلُوغ الـنِّصَاب شَرط لِوجوب الزكاة. قوله: «ولا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»

     أَوَاق: جَمْع أوقية، وهي تعادل أربعين درهما، وهي نِصَاب الفِضَّة، أي: المجموع مائتي درهم، وتساوي بالجرام: خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا (595)، وفي رواية للبخاري: «ليس فيما دون خمسِ أواقٍ مِن الوَرِق صَدَقة». وهي رواية لمسلم مِن حديث جابر رضي الله عنه؛ قال النووي: قال أَهْل اللُّغَة: يُقَال: وَرِق وَوَرْق؛ بِكَسْرِ الرَّاء وإِسْكَانها، والمُرَاد بِه هُنَا: الفِضَّة كُلّهَا؛ مضْرُوبها وغيْره. اهـ

ما يستفاد من الحديث

     أنّ من الأموال التي تجب الزكاة فيها: الذهب والفضة؛ لقوله -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} التوبة: 34- 35.

ولا تجب الزكاة في الذَّهب حتى يبلغ نصابًا، وهو عشرون دينارًا، ويساوي بالجرام: خمسة وثمانين جرامًا، والواجب إخراجه في الزكاة من الذهب والفضة: رُبُع العشر، وهو (2.5) في المائة.

     ففي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «.. فَإِذا كَانتْ لَك مِائَتَا دِرْهَمٍ، وحَالَ علَيها الحَوْلُ، ففِيها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وليسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ - يعْني - فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فإِذا كان لَك عِشْرُونَ دِينَارًا، وحَالَ عَليها الحَوْلُ، ففِيها نِصْفُ دِينارٍ، فما زَادَ؛ فبِحِسابِ ذلِكَ». رواه أبو داود.

وفي الحديث: إطلاق لفظ الصدقة؛ ويُراد بها الزكاة الواجبة؛ كما في الآية {إنما الصدقات للفقراء والمساكين..} التوبة: 60؛ ويُراد بها الزكاة المفروضة.

باب: ما فيه العُشْر أو نصفُ العُشر

     عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «فِيمَا سَقَتْ الْأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ؛ وفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ»، الحديث رواه مسلم في الزكاة (2/675) وبوب عليه النووي بمثل تبويب المنذري، ورواه البخاري في الزكاة (1483) باب: العشر فيما يُسقى من ماء السماء وبالماء الجاري. من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما.

قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فيما سَقتْ الأنهار والغَيم العُشور»

     العُشور: بضم العين جمع عشر، قال النووي: قال القاضي عياض: ضبطناه عن عامة شيوخنا: بفتح العين جمع، وهو اسم للمخرج من ذلك، وقال صاحب مطالع الأنوار: أكثر الشيوخ يقولونه بالضم؛ وصوابه الفتح. وهذا الذي ادّعاه من الصواب ليس بصحيح، وقد اعترف بأنّ أكثر الرواة رووه بالضم؛ وهو الصواب جمع عُشر، وقد اتفقوا على قولهم: عشور أهل الذِّمة بالضم؛ وهو الصواب جمع عشر، ولا فرق بين اللفظين.

قال: وأما الغيم - هنا فبفتح الغين المعجمة - وهو المطر، وجاء في غير مسلم «الغيل» باللام، قال أبو عبيد: هو ما جرى من المياه في الأنْهار، وهو سيل دون السيل الكبير. وقال ابن السّكيت: هو الماء الجاري على الأرض.

وفي رواية للبخاري: «أو كان عثريا» بفتح العين والمثلثة المفتوحة المخففة، قال في النهاية: هو النخل الذي يَشرب بعُروقه مِنْ ماء المطر، يجتمع في حفيرة، وقيل: هو العذي، وهو الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر.

وأما السانية: فهو البعير الذي يُسقى به الماء من البئر، ويقال له: الناضح، يقال منه: سنا يسنو؛ إذا أسقي به.

فوائد الحديث

وفي هذا الحديث: وجوب إخراج العشر من المحاصيل فيما سُقِي بماء السماء والأنهار؛ ونحوها مما ليس فيه مؤنة كثيرة، ونصف العشر فيما سقي بالنواضح وغيرها؛ مما فيه مؤنة كثيرة، وهذا متفق عليه.

     وفيه: أنَّ الزكاة تجب في الحبوب والثمار؛ وهو إجماع العلماء، قال ابن قدامة رحمه الله في (المغني) (2/294): «أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْم على أَنَّ الصَّدَقَةَ واجِبَةٌ فِي الحِنْطَةِ, والشَّعِيرِ, والتَّمْرِ, والزَّبِيبِ. قالهُ ابنُ المُنْذِرِ, وابنُ عبدِ البَرِّ» انتهى. وفي كتاب الله -تعالى-؛ ما يدل على وجوب الزكاة في الحبوب والثمار؛ وهو قوله -تعالى-: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} الأنعام: 141؛ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وآتوا حَقّه يوم حصاده) يعني: الزكاة المفروضة، يوم يُكال ويعلم كيله، والزكاة تجب في الحبوب والثمار؛ فيما يُكال ويدخر، سواء كان قوتاً أم لم يكن قوتًا؛ لعموم قوله «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ»، فالحديث عامٌ في كل ما يَخرج من الأرض؛ سواء كان قوتاً أم لم يكن قوتا.

وفي حديث أَبِي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - السابق عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»، ما يدل على اعتبار التوسيق، وهو معيار من معايير الكيل.

أما الادِّخار، فلأن النعمة لا تكتمل إلا فيما يُدّخر، وذلك لأنّ نفعه باقٍ لمدة أطول.

ولا تجب الزكاة في الحبوب والثمار، إلا إذا بلغت نصابًا، وهو خمسة أوسق، كما سبق؛ والوسْق ستون صاعًا.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة