أخبار سريعة
السبت 11 يوليو 2020

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: فيمن لا يُؤدي الزَّكاة

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَال: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَة؛ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: «هُمْ الْأَخْسَرُونَ ورَبِّ الْكَعْبَةِ»، قَال: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ؛ فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، مَنْ هُمْ؟ قَال: «هُمْ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلَّا مَنْ قَال هَكَذَا، وهَكَذَا، وهَكَذَا مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، ومِنْ خَلْفِهِ، وعنْ يَمِينِه، وعَنْ شِمَالِهِ، وقَلِيلٌ ما هُمْ، ما مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ ولَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وأَسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا، عَادَتْ عليْه أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ»، الحديث رواه مسلم في الزكاة (2/686) باب تغليظ عُقوبة من لا يؤدي الزكاة، ويَروي أبو ذرٍّ رضي الله عنه أنَّه سمِع النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ وهو في ظِلِّ الكعبةِ: «هُمُ الأخسرونَ ورَبِّ الكعبة».

قوله: «فلم أتقار» أي: لم يمكني القرار والثبات .

     قوله: مَن هم؛ بِأبي أنتَ وأمِّي؟ أي: فِداك أبي وأمِّي، وهما أعزّ الأقارب، وقوله صلى الله عليه وسلم: «هم الأخْسرون وربّ الكعبة»، ثم فسّر «هم»؛ فقال: «هم الأكثرون أموالاً، إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم»،

هم الأكثرونَ أموالًا

     قول النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هم الأكثرونَ أموالًا، إلَّا مَن قال هكذا، وهكذا، وهكذا». أي: الأَخسرونَ - هم: الَّذين خَسِروا أموالَهم أو ثوابَ زَكاتِهم - وهم أصحابُ المالِ الكثيرِ، إلَّا الَّذين يُنفقونَ منه ويُخرجونَ حَقَّه، وأشارَ صلى الله عليه وسلم أمامَه ومن خلفه، وعنْ يمينِه وعن شِمالِه، وهو إشارةٌ إلى تَعدُّدِ وُجوهِ البِرِّ والنَّفقةِ، الَّتي يجبُ أن يُنفقَ فيها أصحابُ الأموالِ الكثيرةِ، قال النووي: فيه: الحث على الصدقة في وجوه الخير، وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البر، بل ينفق في كلّ وجهٍ من وجوه الخير يحضر.

جواز الحلف بغير تحليف

     وفيه: جواز الحلف بغير تحليف ، بل هو مستحب إذا كان فيه مصلحة، كتوكيد أمر، وتحقيقه ونفي المجاز عنه، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا النوع لهذا المعنى، وأما إشارته صلى الله عليه وسلم إلى قدام ووراء، والجانبين فمعناها ما ذكرنا: أنه ينبغي أنْ ينفق متى حَضَر أمرٌ مهم . انتهى.

قوله صلى الله عليه وسلم : كلما نفدتْ أخْراها

     قوله صلى الله عليه وسلم: «كلما نفدتْ أخْراها عادت عليه أولاها»، قال النووي: هكذا ضبطناه «نفدت» بالدال المهملة «ونفذت» بالذال المعجمة وفتح الفاء، وكلاهما صحيح.اهـ، أي: انتهت، وفي الحديثِ: الحثُّ على الصَّدقةِ في وجوهِ الخيرِ المتنوعة، وعدمِ الاقتِصارِ على نوعٍ واحدٍ مِن وجوهِ البِرِّ والإحسان .

الحديث الثاني

     عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «ما مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ ولَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ؛ فَأُحْمِيَ عَليها فِي نَارِ جَهَنَّمَ؛ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَه في يوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيل: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَالْإِبِلُ؟ قَال: «ولَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا - ومِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا - إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِها وتعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاها، في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ؛ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قال: «ولَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ، لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنها شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ ولَا جَلْحَاءُ ولَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ علَيه أُولَاهَا رُدَّ عليه أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ؛ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وإِمَّا إِلَى النَّارِ» . قِيل : يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَالْخَيْلُ؟ قَال: «الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ؛ فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ؛ فَرَجُلٌ رَبَطَها رِيَاءً وَفَخْرًا، وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ فهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ؛ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِها؛ فَهِيَ لهُ سِتْرٌ، وأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ؛ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ في مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ؛ فَما أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ، أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ، إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ ما أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، ولَا تَقْطَعُ طِوَلَها؛ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ له عَدَدَ آثَارِها وأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، ولَا مَرَّ بِها صَاحِبُهَا علَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ منْه، ولَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ». قِيل : يا رسُولَ اللَّهِ؛ فَالْحُمُرُ؟ قَال: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(الزلزلة: 7-8)، حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وقد رواه مسلم في الزكاة ( 2/680-683)باب: إثم مانع الزكاة، ورواه البخاري في الصحيح .

صفائح من نار

     قوله صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ صاحب ذهبٍ ولا فضة، لا يؤدي منها حقّها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفّحت له صفائح من نار»، الصّفائح جمع صفيحة، وهو الحديد العريض ونحوه، أي: جُعلت كنوزه الذهبية والفضيّة كأمثال الألواح، وقوله: «منْ نار» يعني كأنها النار.

     قوله صلى الله عليه وسلم: «فأحْمى عليها في نارِ جهنم؛ فيُكوى به جَنْبه وجبينه وظهره»، وهذا موافق للتنزيل، قال -تعالى-: {والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}(التوبة :34). وعلى هذا يكون هذا الحديث كالتفسير لهذه الآية. قال ابن عمر قال: ما أُدّيَ زكاتُه فليس بكنزٍ، وإنْ كان تحتَ سبعِ أرضين، وما كان ظاهراً لا تؤدى زكاته؛ فهو كنز. رواه الطبري، وقال: وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة موقوفا ومرفوعا، وعمر بن الخطاب، نحوه -رضي الله عنهم .

اكنـزوا هؤلاء الكلمات

     وفي حديث شدّاد بن أوس رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كنـز الناس الذهب والفضة؛ فاكنـزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إنّي أسْألك الثباتَ في الأمر، والعَزِيمة على الرُّشد، وأسألك شُكر نعمتك، وحُسن عبادتك، وأسْألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسْألك من خير ما تعلم، وأعوذُ بك مِنْ شر ما تعلم، وأسْتغفرك لما تعلم، إنك أنتَ علام الغيوب». رواه أحمد والترمذي مختصرًا، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه؛ فهذه الكلمات الطيبات المباركات، خيرٌ من الذّهب والفضة ؛ بنصّ كلام النبي صلى الله عليه وسلم .

لِسَانًا ذَاكِرًا وَقَلْبًا شَاكِرًا

     وعن ثَوْبَان رضي الله عنه قال: لمَّا أُنْزِلَتِ: {الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ} (التوبة: 34). قال: كُنَّا مع رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ؛ فَقَال بعضُ أَصْحَابِه: قَدْ نَزَلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ما نَزَلَ؛ فلَو أَنَّا عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ اتَّخَذْنَاهُ؛ فَقَال: «أَفْضَلُهُ: لِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ».

أَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ ؟

     وفي رواية: لَمَّا نَزَلَ فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ ما نَزَلَ، قالوا: فَأَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ قَال عُمَرُ: فأَنَا أَعْلَمُ لَكم ذلِك؛ فَأَوْضَعَ علَى بَعِيرِهِ؛ فَأَدْرَكَ النَّبِيَ صلى الله عليه وسلم ، وأَنَا فِي أَثَرِهِ؛ فَقَال: يا رَسُولَ اللهِ، أَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ فَقَالَ: «لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وزَوْجَةً مُؤْمِنَةً، تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى أَمْرِ الآخِرَةِ». أخرجه الامام أحمد في (المسند) ( 22392) وفي (الزهد) (143).

     قوله: «كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة»، وهو مقدار يوم القيامة، كما قال -تعالى-: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}(المعارج: 4)؛ فليس ساعة ولا ساعتين، ولا شهرا ولا شهرين، ولا سنة ولا سنتين، بل خمسين ألف سنة، وهو يعذب هذا العذاب المؤلم - والعياذ بالله - حتى يُقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، نسأل الله العافية، ويحمي عليها في نار جهنم، ونار جهنم فضّلت على نار الدنيا كلها بتسعة وستين جزءاً؛ فنار الدنيا كلها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، نسأل الله أن يجيرنا جميعا من النار .

قوله: حتى يُقضى بين العباد

وقوله: «حتى يُقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة؛ وإما إلى النار»، يرى: يُروى بضم الياء وفتحها، وفيه إشارة إلى أنه مسلوب الاختيار يومئذ، لا يقدر أنْ يذهب لمكان ولا يختار، حتى يُبين له أحدُ السبيلين .

عذابٌ وألم جسدي

     وقوله: «يومَ يُحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم  وظهورهم»، هذا عذابٌ وألم جسدي، ويعذبون كذلك عذابا قلبيا ونفسياً؛ فيقال لهم: {هذا ما كنزتُم لأنْفسكم فذُقُوا ما كنتُم تكْنِزون} فيحصل لهم العذاب الجسدي؛ والعذاب القلبي بالتوبيخ والتأنيب؛ فيتقطع قلبه ألما وحسرةً، وجسده كذلك -والعياذ بالله- من هذا الحال.

وللحديث بقية إن شاء الله

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة