أخبار سريعة
الثلاثاء 14 يوليو 2020

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: لا تحلُّ الصّدقة لرَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

عن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كِخْ كِخْ، ارْمِ بِها، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ»، الحديث رواه مسلم في كتاب الزكاة (2/751) باب: تحريم الزكاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم، ورواه البخاري في كتاب الزكاة، باب: ما يُذكر في الصدقة للنبي - صلى الله عليه وسلم - (1491).

     ورواه أيضا (1485) في باب: أخذ صدقة التَّمر عند صِرام النّخل، وهل يترك الصبيّ فيمسُّ تمرَ الصدقة؟: عن أَبِي هُريرةَ - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بالتَّمر عند صرام النَّخل، فيَجِيء هذا بتمرهِ وهذا بتمرهِ، حتى يصير عنده كوماً مِنْ تمرٍ، فجعل الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر، فأخذَ أحدهما تمرةً فجعلها في فِيه، فنظرَ إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخْرجها من فيه، فقال: «أما علمتَ أنَّ آلَ محمدٍ لا يأكلون الصدقة».

تمر الزكاة

     قوله: «أخذ الحسنُ بنُ علي تمرةً من تمرِ الصّدقة» أي: مِنْ تمر الزكاة، وقوله: «فجعلها في فيه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كِخ كخ». قال القاضي: «كخ كخ» بفتح الكاف وكسرها، وتسكين الخاء، ويجوز كسرها مع التنوين، والثانية مؤكدة للأولى تأكيدًا لفظيًّا، يقال عند زجر الصبي عن تناول شيء، وعند التقذر من شيء. (تاج العروس 7/ 328)، فهي كلمة يُزْجر بها الصبيان عن المُسْتقذرات، فيقال له: «كخ» أي: اتْركه، وارم به، قال الداودي: هي عجمية معربة بمعنى: بئس، وقد أشار إلى هذا البخاري بقوله في ترجمة باب: من تكلم بالفارسية والرطانة، فقوله: «كخ كخ» يعني أنها لا تَصْلح لك، ثم أمره أن يخرجها من فمه.

قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أما علمتَ»

     وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أما علمتَ» هذه اللفظة تُقال في الشيء الواضح التحريم ونحوه، وإن لم يكن المخاطب عالما به، وتقديره: عجبٌ كيف خَفِي عليك هذا، مع ظهور تحريم الزكاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، هذا مذهب الشافعي وموافقيه أنّ آله - صلى الله عليه وسلم - هم بنو هاشم وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية، وقال أبو حنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصة، قال القاضي: وقال بعض العلماء: هم قريش كلها؟ وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي؟! ودليل الشافعي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد»، وقسم بينهم سهم ذوي القربى، والصواب: هو قول الشافعي وأحمد في رواية عنه، للدليل، وأيضاً: فإنَّ آل النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل فيهم ذُريته وأزواجه، قالوا: والآل والأهل سواء، وآل الرجل وأهله سواء، وهم الأزواج والذرية، بدليل هذا الحديث.

 أُذَكّركم الله في أهل بيتي

     ويدلُّ عليه أيضًا: ما رواه مسلم في صحيحه: عن زيد بن أرقم قال: «قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما خطيباً فينا بماءٍ يُدْعى خُماً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس إنما أنا بشرٌ يُوشك أنْ يأتيني رسول ربي عز وجل، وإني تاركٌ فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله عز وجل فيه الهدى والنور، فخُذُوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، وقال: وأهل بيتي: أُذَكّركم الله في أهل بيتي، أذَكِركم الله في أهل بيتي».، فقال له حصين بن سبرة: ومَنْ أهلُ بيته يا زيد؟ أليسَ نساؤُه من أهل بيته؟ قال: إنَّ نساءه مِنْ أهل بيته، ولكنْ أهل بيته مَنْ حُرِم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: أكلُّ هؤلاء حُرِم الصدقة؟ قال: نعم، وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الصَّدقة لا تَحِل لآلِ محمد». رواه مسلم.

آل النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم خصائص

     وما في الصحيحين: من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ فاطمة -رضي الله عنها- أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي - صلى الله عليه وسلم - مما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل»، فآله - صلى الله عليه وسلم - لهم خَواص: منها حِرْمان الصدقة، ومنها: أنَّهم لا يرثونه، ومنها استحقاقهم خُمس الخمس، ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم.

قوله: «ارمِ بها»

     قوله: «ارمِ بها، أما علمتَ أنا لا نأكلُ الصدقة». وفي رواية: «إننا لا تَحِلّ لنا الصّدقة» أي: الصدقة لا تحل لآل محمد؛ وذلك لأنّهم أشرف الناس، والصّدقات والزكوات أوساخُ الناس، ولا يناسب لأشراف الناس أنْ يأخذوا أوساخ الناس، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمه العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه -: «إنا آلُ محمد، لا تحلُّ لنا الصَّدقة، إنما هي أوْسَاخ الناس». (رواه مسلم 1072)

ما يستفاد من هذا الحديث

     أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حريصًا على تربية ولده على تقوى الله تعالى، وترك الحرام منذ الصغر، فإنّ تربية الأولاد من أعظم الواجبات التي جاء الشرع بالأمر بها، والحث عليها، فقال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} التحريم: 6، أي: علموا أهليكم من العمل بطاعة الله، ما يَقُون به أنفسهم من النار، وروى الطبري: عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - في قوله: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}، قال: علِّموهم، وأدّبوهم.

تعليمهم وتأديبهم

     وإنما تكون وقايتهم من النار بتعليمهم وتأديبهم، وتربيتهم على العمل بأحكام الشريعة، فعلًا وتركًا، ففي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى الحسن ابن بنته -رضي الله عنهما- عن الأكل من تمر الصدقة، مبينًا له حُكمه، وأنه لا يجوز للنبي - صلى الله عليه وسلم - وآله الأكلُ من الصدقات، ويأمره أن يرمي بالتمرة من فيه، وهذا من أحسن التربية، حيث لم يقل: قد جعلها في فيه فيترك، ولم يقل: هو صغير غير مُكلّف، بل علّمه وأدَّبه ورباه، لينشأ على العمل الصالح، واجتناب ما حرّم الله عليه، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوةٌ حسنةٌ، في تربية أولادنا على العمل بأحكام الإسلام منذ الصغر.

منع الصبيان من المنكرات

وفي الحديث: أنّ الصبيان يُوقون ما يُوقَّاه الكبار المكلفين من المحرّمات، ويمنعون من تعاطيها أو فعلها، وهذا واجبٌ على ولي أمره.

الرحمة والرفق

     وفيه: أنَّ تربية الأولاد تحتاج من الولي أنْ يكون رحيمًا رفيقًا بهم، يُربِّيهم على الخير برفقٍ ولين، مع حسن الخُلق في تعامله معهم، فهنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يربي ولده برفق، فلا يَسُبُّه ولا يشتمه، ولا يُؤذيه بالصراخ ورفع الصوت، وهكذا كان ديدن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الأطفال، يُلاطفهم ويؤانسهم حتى يتعلّموا منه بحبٍّ ورغبةٍ، فيستقر التعليم في قلوبهم وعقولهم، وينشؤوا على الخير الذي تعلموه، قال جابر بن سمرة -رضي الله عنهما-: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الأولى (يعني الظهر)، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدانٌ، فجعل يمسح خَديّ أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسحَ خدي، قال: فوجدت ليده بردًا أو ريحًا، كأنما أخرجها من جُؤنة عَطّار (رواه مسلم)، وجُؤْنة عطار بضم أوله مهموز، ويسهَّل، هي: الوعاء، وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الحسن والحسين -رضي الله عنهما-: «هُمَا رَيْحانتاي مِنَ الدنيا». رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة -رضي الله عنهم-، باب مناقب الحسن والحسين -رضي الله عنهما- (3543)، وفي كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبليه ومعانقته (5648).، والمعنى: أنهما مما أكْرَمني الله وحباني به، لأنّ الأولاد يُشَمُّون ويُقَبَّلون، فكأنهم من جُملة الرياحين. فتح الباري (10/ 427).

فَهْمُ الصغار وإدراكهم

     وفيه أنه - صلى الله عليه وسلم - يستعمل في تربية الصغار ومخاطبتهم الكلام الواضح القريب إلى فهمهم ومَداركهم، وإنْ لم يفهموه كله بادئ الأمر، وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث بين مخاطبتهم بما يناسب سنَّهم، وبين مخاطبتهم بما يُخاطب به الكبار، فقال - صلى الله عليه وسلم - له: «كخ كخ»، وهذا يناسب الصغير، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: «ارمِ بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة»، وهذا مما يفهمه الكبار، وهذا يعطي الصغير احترامًا وقُدرة للفهم، وتوسعًا في الإدراك حتى يتمرّن على كلام الكبار، ويتمكن من التحدّث فيما بعد، وفي حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخٌ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه قال: كان فطيمًا، قال: فكان إذا جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرآه قال: «أبا عمير، ما فعل النُّغَير - لطائرٍ كان معه -، قال: فكان يَلْعب به، رواه البخاري في كتاب الأدب (5778)، ومسلم (2150) واللفظ له.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة