أخبار سريعة
الثلاثاء 14 يوليو 2020

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: زكاة الفطر مِنْ الطَعَام والأَقِط والزَبِيب

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَان فِينَا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ؛ فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ، أَنْ قَال: إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ، تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ، كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ، الحديث أخرجه مسلم في الزكاة (2/677)وبوب عليه النووي بمثل تبويب المنذري، وأخرجه البخاري في الزكاة (1508،1506).

     قوله: “ كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَان فِينَا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ، هذه حكاية عن السُّنة العملية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والسُّنة النبوية، كما هو معلوم عند أهل العلم والأصول تنقسم إلى أربعة أقسام؛ من حيث صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي: قولية، وفعلية، وتقريرية، ووصفية، وذلك على التفصيل الآتي:

السنة القولية

وهي ما صَدَر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله ولفظه، مثل حديث: «إنما الأعْمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وحديث «من أحْدثَ في أمرنا؛ هذا ما ليس منه فهو رد»، وحديث «بُني الإسْلام على خمس».

السنة الفعلية

     وهي تشمل ما نُقل إلينا من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، ومن أمثلة ذلك: حديث عائشة -رضي الله عنها- في تطوع النبي صلى الله عليه وسلم بالصيام: «كان يصومُ حتى نقول لا يُفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم»، وحديث حذيفة رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قامَ من الليل يَشوصُ فاه بالسِّواك». وغيرها.

الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم

     وقد أمرنا الله -عز وجل- بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم واتباعه في أقواله وأفعاله وأحواله: في العبادات كلّها، وفي الآداب والأخلاق، وفي معاملة الأهل والأزواج، والأولاد، والأصْحاب، وفي السفر والإقامة، وفي السِّلم والحرب، وفي العدل بين الناس في الحكم، وفي الشورى، وفي ردّ الحقوق لأصحابها، وفي موالاة المؤمنين، والبراءة من الكافرين، والرغبة في هداية الآخرين، وحبّ الخير لهم، وبذل المعروف، وكفّ الأذى، وكفالة اليتيم، وسدّ حاجة الأرامل، وغير ذلك من خصاله الكريمة، وشمائله الجميلة، وأفعاله السامية النبيلة، قال -تعالى-: {لقد كانَ لكمْ في رسولِ الله أسْوةٌ حَسَنةٌ لمنْ كانَ يَرجو اللهَ واليومَ الآخر وذَكَر اللهِ كثيرًا}(الأحزاب: 21).

وكذلك قد أدّى النبي صلى الله عليه وسلم الشّعائر الإسلامية، وأمرنا أنْ نلتزم هديه فيها، ونحذو حَذْوه؛ فقال صلى الله عليه وسلم في شأن الصلاة: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلي»، وقال في شأن الحج: «خُذُوا عني مناسككم».

السُّنة التقريرية

     وهي أنْ يحْدث أمر، أو يقال قول في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في حضرته ومشاهدته، أو في غيبته ثم ينقل إليه؛ فيقره النبي صلى الله عليه وسلم إما بالسكوت وعدم الإنكار، أو بالموافقة والاستحسان، ومن ذلك: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب: «لا يُصليّن أحدٌ العصر إلا في بني قريظة»؛ فأدرك بعضهم العصر في الطريق؛ فقال بعضهم: «لا نُصلي حتى نأتيها»، وقال بعضهم: «بل نصلي، لم يُرد منّا ذلك»؛ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم; فلم يعنف واحدًا منهم، وحديث أنس رضي الله عنه : كان يُلبي المُلبّي لا يُنكر عليه، ويُكبّر المكبر فلا ينكر عليه .

السنة الوصفية

     وهي نوعان: الأول: الصفات الخُلُقيّة: وهي ما جبله الله عليه من الأخلاق الحميدة، وما فطره عليه من الشمائل العالية المجيدة، وما حباه به من الشيم النبيلة، ومن ذلك: حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن؛ فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة»، وكحديث عائشة في وصف أخلاقه صلى الله عليه وسلم ; حيث قالت : كان خُلُقه القرآن، وحديث أنس رضي الله عنه ، قال : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أف قطّ، ولا لشيءٍ صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيءٍ تركتُه لم تركته«؟.

     الثاني: الصفات الخَلْقية، وهي تشمل هيأته التي خَلَقه اللهُ عليها، وأوصافه الجَسْمية، و من ذلك حديث : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحْسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقاً، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير» ونحوه. وأقسام السنة هذه؛ من حيث صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قولاً وفعلاً وتقريرًا وصفةً، كلها محفوظة مُدونة في أمهات كتب السنة، ومصادر السيرة النبوية الشريفة. قوله: «نخرج زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ»، كما سبق في الحديث الماضي وجوبها على كل مسلم.

قوله: «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ».

     قوله:  «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ نزل نُخرجه...»  فيه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَرَض عليهم زكاةَ الفِطرِ من هذه الأصناف، صاعًا مِن تَمر، أو صاعًا من شَعيرٍ؛ لأنَّ هذه كانت هي قوتَ أهلِ المدينةِ وغيرهم في زمنه؛ فيجوز إخراجها من قوت البلد، سواء من هذه الأصناف، أو من غيرها، كالأرز، أو الذرة، أو الدخن، أو غيرها.

منع دفع القيمة

      وجمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة على منع دفع القيمة في زكاة الفطر، ومن حُجّتهم كما في المجموع للنووي -رحمه الله-: أن الشرع نص على بنت مخاض وبنت لبون وحِقّة وجذعة، وتبيع ومُسنّة، وشاة وشياه، وغير ذلك من الواجبات؛ فلا يجوز العدول عنها، كما لا يجوز في الأضحية، ولا في المنفعة، ولا في الكفارة وغيرها من الأصول التي وافقوا عليها، ولا في حقوق الآدميين، واستدل صاحب الحاوي بقوله[: «في صدقة الفطر صاع من تمر،ٍ أو صاع من شعير» إلى آخره، ولم يذكر القيمة، ولو جازت لبينها؛ فقد تَدْعو الحاجة إليها؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: «في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض؛ فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون»، ولو جازت القيمة لبينها؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم قال فيمن وجب عليه جذعة: «فإن لم تكن عنده، دفع حقة وشاتين، أو عشرين درهما»، وكذا غيرها من الجُبران على ما سبق بيانه في حديث أنس في أول باب زكاة الإبل؛ فقدر البدل بعشرين درهما، ولو كانت القيمة مجزئة لم يقدره، بل أوجب التفاوت بحسب القيمة .

المعتمد في الدليل

     وقال إمام الحرمين في الأساليب: المعتمد في الدليل لأصحابنا أن الزكاة قُرْبة لله -تعالى-، وكل ما كان كذلك؛ فسبيله أن يتبع فيه أمر الله -تعالى. انتهى. وقال أبو داود قيل لأحمد: وأنا أعطي دراهم، يعني في صدقة الفطر، قال: أخاف ألا يجزئه، خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو طالب: قال أحمد: لا يعطي قيمته، قيل له قوم يقولون عمر بن عبد العزيز، كان يأخذ بالقيمة، قال: يدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقولون قال فلان؟ قال ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الله -تعالى-: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}. وقال في الشرح: ظاهر المذهب أنه لا يجوز إخراج القيمة في شيء من الزكوات، وبه قال مالك والشافعي، وقال الثوري وأبو حنيفة يجوز، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن، وعن أحمد مثل قولهم فيما عدا زكاة الفطر؛ فأما زكاة الفطر، فقد نصّ على أنه لا يجوز.

الصحيح هو التفصيل

     وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في هذه المسألة: الصحيح هو التفصيل، فيجوز إخراج القيمة عند الحاجة، أو المصلحة الراجحة، ولا يجوز لغير ذلك، وذكر أنّ نصوص أحمد تدل عليه، نقل عنه في حاشية الروض قوله بعد حكاية الخلاف: والقول الثالث: الإجزاء عند الحاجة، مثل ما يجب عليه شاة في زكاة الإبل، وليست عنده، ومن يبيع عنبه ورطبه قبل اليبس، قال: وهذا المنصوص عن أحمد صريحًا، وهو أعدل الأقوال؛ فإنّ الأدلة الموجبة للعين نصًا وقياسًا كسائر أدلة الوجوب، ومعلوم أن مصلحة وجوب العين، قد يعارضها أحيانًا في القيمة من المصلحة الراجحة، وفي العين من المشقة المنتفية شرعًا.

قوله: «فلم نزل نُخرجه حتى قَدِم علينا معاوية»

      قوله: «فلم نزل نُخرجه حتى قَدِم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجًّا أو مُعتمِرًا؛ فكلَّم الناس على المنبر؛ فكان فيما كلّم به الناس، أنْ قال: إني أرى أنّ مُدَّين من سمراء الشام، تَعدِل صاعًا من تمر؛ فأخذ الناس بذلك» أي: يُجزئ نِصف صاع من البُرِّ في زكاة الفطر، وهو قول لبعض الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين، ومذهب الإمام أبي حنيفة، واختاره أبو عُبَيد القاسم بن سلام، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والألباني، وقوَّاه ابن عبدالهادي.

التمسّك بالسّنة النبوية

      قوله: «قال أبو سعيد رضي الله عنه : فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنتُ أُخْرجه أبدًا ما عشتُ»، فيه: التمسّك بالسّنة النبوية، والاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم ، وترك القياس مع وُجود النص، انظر: مصنَّف عبدالرزاق (4/ 311 - 317)، مصنف ابن أبي شيبة (3/ 170 - 172)، والتمهيد (4/ 137)، والمحلى (6/ 130 - 131)، والأموال لأبي عبيد (ص: 521)، وشرح معاني الآثار (2/ 41 - 47)، والاختيارات (ص: 102)، وزاد المعاد (2/ 19)، وتمام المنة (ص: 387)، وقال المنذر: لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي يعتمد عليه، ثم ذكر أنه رأيُ بعض الصحابة، وفي حديث أبي سعيد وابن عمر -رضي الله عنهما- ما يدل على عدم الموافقة على ذلك.  انظر الفتح (3/374).

قول معاوية رضي الله عنه

     وقال النووي: تمسك بقول معاوية من قال بالمدين من الحنطة، وفيه نظر؛ لأنه فعل صحابي، قد خالفه فيه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد صرح معاوية بأنه رأيٌ رآه لا أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي حديث أبي سعيد ما كان عليه من شدة الاتباع والتمسك بالآثار، وترك العدول إلى الاجتهاد مع وجود النص، وفي صنيع معاوية وموافقة الناس له دلالة على جواز الاجتهاد، وهو محمود، لكنه مع وجود النص فاسد الاعتبار»، ووزن الصاع من البر (2040) كيلوين وأربعين جرامًا، ومن الأرز (2،5)، والتمر (3) كيلو.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة