أخبار سريعة
السبت 28 مارس 2020

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: في التَّرغيب في الصّدقة(2)

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

ما زال الحديث موصولاً في باب الترغيب في الصدقة؛ حيث ذكرنا حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا، تَأْتِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ، وعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا دِينَارٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عَلَيَّ»، وقلنا: إن في الباب حديثين: الحديث الأول: أخرجه مسلم في الزكاة (2/687) باب تغليظ عقوبة مَنْ لا يُؤدي الزكاة، واليوم نستكمل شرح الحديث الثاني.

     عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَال: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ: وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَال: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ» قَالَتْ يا رسولَ اللَّهِ ، وما نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَال: «أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ: فشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ، تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فهذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وتَمْكُثُ اللَّيَالِي ما تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ»، الحديث، أخرجه مسلم في الإيمان (1/86-87) باب بيان نقْصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النَّعمة والحقوق، وقد رواه أيضًا: عن جَابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ قال: شَهِدْتُ مع رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلاةَ يَوْمَ الْعِيدِ فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا على بِلالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، ووَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَال: «تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ» فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: «لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» قال: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ في ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ. رواه مسلم (885).

قوله: «يا مَعْشَرَ النِّساءِ، تَصَدَّقْنَ»

     قوله: «يا مَعْشَرَ النِّساءِ، تَصَدَّقْنَ، وَأَكْثِرْنَ الاستغفارَ» يَأْمُرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ النساء، فيقول «يا مَعْشَرَ النِّساءِ» أي: يا جماعةَ النِّساءِ، أَخْرِجْنَ الصَّدَقاتِ، واستغفِرْنَ اللهَ من ذُنُوبِكُنَّ كثيرًا، وعِلَّةُ ذلك أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رآهُنَّ «أَكْثَرَ أهلِ النَّارِ».

قوله: «فقالت امْرأةٌ منهُنَّ»

     قوله: «فقالت امْرأةٌ منهُنَّ: «جَزْلَةٌ»، أي: ذَاتُ عَقْلٍ ورأيٍ، «وما لنا يا رسولَ الله، أَكْثَرَ أهلِ النَّارِ؟» أي: بِمَ اسْتَحْقَقْنَا ذلك؟ فبيَّن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - السَّبَبَ بأنَّهُنَّ يُكْثِرْنَ «اللَّعْنَ»، أي: يُكْثِرْنَ إطْلاق اللعنة ، واللعنة هي الدُّعاءَ بالإبعادِ والطَّردِ من رَحْمةِ اللهِ ، وهو من السب وسوء الخُلق وضيقه.

اللعن يقع على وجهين

الأول: أنْ يَلْعن الكفار وأصحاب المعاصي على سبيل العموم، كما لو قال: لعن الله اليهودَ والنصارى، أو: لعنةُ الله على الكافرين والفاسقين والظالمين. أو: لعن الله شارب الخمر والسارق، فهذا اللعن جائزٌ ولا بأس به.

الثاني: أنْ يكون اللعن على سبيل تَعيين الشخص الملعون، سواء كان كافراً أم فاسقاً، كما لو قال: لعنة الله على فلان ويذكره بعينه، فهذا على حالين:

1- أنْ يكون النّص قد ورد بلعنه، مثل إبليس وفرعون وأمثالهم، أو مَن ورد النص بموته على الكفر، كأبي لهب، وأبي جهل، فلعن هؤلاء جائز، قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (1/214): ويجوز لعنُ من ورد النص بلعنه، ولا إثمَ عليه في تركه اهـ.

2- لعن الكافر أو الفاسق على سبيل التعيين، ممن لم يرد النص بلعنه بعينه، مثل: بائع الخمر ومن ذبح لغير الله ومن لعن والديه ومن آوى محدثا  ومن غيّر منار الأرض وغير ذلك، فهذا قد اخْتلف العلماء في جواز لعنه على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه لا يجوزُ بحال.

الثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق.

الثالث: يجوز مطلقا.

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «واللعنة تجوز مطلقاً لمَن لعنه اللهُ ورسوله، وأما لعنة المُعيّن: فإنْ علِم أنه مات كافراً، جازت لعنته، وأما الفاسق المعين: فلا تنبغي لعنته، لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُلْعن عبد الله بن حمار الذي كان يشرب الخمر، مع أنه قد لعن شاربَ الخمر عُموما، مع أنّ في لعنة المعين إذا كان فاسقا أو داعيا إلى بدعة نزاعاً» اهـ. (مجموع الفتاوى) (6/511).

قوله: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ»

أي: لا يَشْكُرْنَ أزواجَهُنَّ، ولا يَعْتَرِفْنَ بِفضلِهم، بل يَكفرن هذه النّعمة، وقد فسَّره النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله في رواية عبداللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «َأُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» قَالُوا: بِمَ يا رسُولَ اللَّهِ؟ قال: «بِكُفْرِهِنَّ» قل: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ، قال: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لو أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ منكَ شَيْئًا، قَالَتْ: ما رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». رواه البخاري (1052).

مجازاة الإحسان بالجحود

     فمجازاة المرأة ذلك الإحسانَ بالجُحودِ والنكران والكُفْرانِ، غَلَبَ على فِعْلها، في الأكثر، فكأنَّها مُصِرَّةٌ عليه، والإصْرارُ يَجعلُ الذَّنْبَ اليَسِيرَ كبيرًا، وذلك أنَّ حَقَّ الزَّوْجِ عظيمٌ، فيَجِبُ عليها شُكْرُه، والاعترافُ بِفضلِهِ، لِقِيامِه على أُمورِها، والإنفاق عليها، وصيانتِهِ وحِفْظِه لها، ودفاعه بنَفْسِهِ عنها، وقد أَمَرَ اللهُ مَنْ أُسْدِيَتْ إليه نِعمةٌ أنْ يَشكرَها، فكيف بِنِعَمِ الزَّوجِ التي تُسْبِغُ المرأةَ في عُمُرِها كُلِّه؟!

نَاقِصَات عَقْلٍ وَدِينٍ

قوله: «وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ» يُؤكِّدُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حقيقةَ أنَّ النِّساءَ أنهنّ «ناقصات عَقْلٍ وَدِينٍ»، ومع ذلك فإنَّهُنَّ قادراتٌ على أنْ يَذْهَبْنَ بـ»لُبِّ»، أي: بعَقْلِ الرجل الحازمِ، والمُرادُ الرجل الكاملُ العقلِ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فهذا نُقْصَانُ العقلِ» أي: هذا علامةُ نُقصانِهِ، «فشَهادةُ امرأتين تَعْدِلُ شَهادةَ رَجُلٍ»، تذكيرٌ منه - صلى الله عليه وسلم - بما نبَّه الله تعالى عليه في كِتابِهِ، بقولِه -تعالى-: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} البقرة: 282، أي: إنَّهُنَّ لا يُحْسِنَّ تَذَكُّرَ الكلامِ، ولا ضَبْطَهُ، فهذا من نقص العقل.

نقصان الدين

أما نقصان الدين: فهو أنّها: «تَمْكُثُ اللَّياليَ ما تُصلِّي»، أي: تمكث لياليَ وأيامًا لا تُصلِّي، بِسَبَبِ الحَيْضِ، وتُفْطِرُ أيَّامًا مِنْ رمضانَ، بِسَبَبِ الحَيْضِ. وهو أمر كتبه الله عليهن، فلا ملامة فيه عليهن.

وفي الحديث: مُراجعةُ المُتَعَلِّمِ للعالِمِ، والتَّابعِ للمَتبوعِ، فيما قاله، إذا لم يَظْهَرْ له معناه، كمراجعةِ هذه الصحابية الجَزْلَةِ رضِي الله عنها للنبي - صلى الله عليه وسلم .

وينبغي للأخوات المؤمنات اللاتي يعلمن بهذا الحديث أنْ يكون تصرفهن كتصرف هؤلاء الصحابيات اللاتي لما علمن بهذا عملن من الخير والشكر والطاعة للأزواج، مما يكون -بإذن الله- سبباً في إبعادهن من أنْ يدخلن ضمن هؤلاء الأكثر.

وفي الحديث نصيحة للمسلمات: بالحرص على التمسك بشعائر الإسلام وفرائضه، لاسيما الصلاة، والبعد عما حرمه الله -سبحانه وتعالى- من كفران النِّعم ، وجحود جميل الزوج.

ومن باب أولى البعد عن الشرك بأنواعه المتعددة الأخرى، التي تنتشر في أوساط النساء، مثل طلب الحاجات من غير الله، وإتيان السحرة والعرافين ونحو ذلك.

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة