أخبار سريعة
الإثنين 21 سبتمبر 2020

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ قَبْلَ أَلاَ يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

في هذا الباب حديثان: الأول: عن حَارثة بن وَهْب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تَصَدَّقُوا، فَيُوشِك الرَّجُل يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُول الَّذِي أُعْطِيَهَا: لَوْ جِئْتنَا بِهَا بِالْأَمْسِ، قَبِلْتهَا، فَأَمَّا الْآن فَلَا حَاجَة لِي بِهَا، فَلَا يَجِد مَنْ يَقْبَلُهَا»، الحديث رواه البخاري في الزكاة (1411) باب (9): الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ.متفق عليه.

 

وحارثة بن وَهْب هو الخُزَاعي، صحابي، أمه أم كلثوم بنت جَرْول بن مالك الخزاعية، فهو أخو عُبيد الله بن عُمر لأمه. وله رواية عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وعن حَفْصة بنت عمر وغيرها. وله في الصّحيحين أربعةُ أحاديث.

الحثٌّ على الصَّدقة

قوله: «تَصَدَّقُوا» حثٌّ على الصَّدقة، والمسارعة إليها، تحصيلاً للأجر والثواب والبركة، وبُعداً عن التسويف.

التَّحذير مِنَ التَّسويف بالصّدقة

     وقول البخاري -رحمه الله-: ‏باب الصدقة قبل الرَّد‏، قال الحافظ في الفتح: قال الزين بن المنير ما مُلخّصه‏:‏ مقصودُه بهذه الترجمة: الحثّ على التَّحذير مِنَ التَّسويف بالصّدقة، لما في المُسَارعة إليها من تحصيل النَّمو المذكور‏، قيل: لأنَّ التسويف بها قد يكون ذريعةً إلى عدم القابل لها، إذْ لا يتمُّ مقصود الصدقة إلا بمصادفة المحتاج إليها، وقد أخبر الصّادق أنه سيقع فقد الفقراء المحتاجين إلى الصدقة، بأنْ يُخْرجَ الغنيُّ صدقته، فلا يجد من يقبلها‏.

فإنْ قيل: إنّ مَنْ أخرجَ صدقته، مثابٌ على نيته، ولو لم يجدْ مَنْ يقبلها، فالجواب: أنَّ الواجد يُثاب ثوابَ المجازاة، والفَضْل، والنَّاوي يثاب ثوابَ الفضل فقط ، والأول أرْبح، والله أعلم‏.‏ انتهى.

في كثرة المال في آخر الزمان

     قوله: «فَيُوشِك الرَّجُل يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُول الَّذِي أُعْطِيَهَا: لَوْ جِئْتنَا بِهَا بِالْأَمْسِ، قَبِلْتهَا، هذا الحديث والأحاديث بعده، هي مما ورد في كثرة المال في آخر الزمان، وأنّ الإنسان لا يجدُّ مَنْ يقبل صدقته، والحثّ على المبادرة بالصدقة، واغتنام إمكانها قبل تَعَذّرها، وقد صرّح بهذا المعنى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - بقوله في أولِ هذا الحديث : «تصدقوا فيُوشك الرجل..» إلى آخره.

عدم قَبُول الصَّدقة في آخرِ الزَّمان

     وأورد البخاري في الباب: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقومُ الساعةُ حتى يكثرَ فيكم المالُ فيَفِيض، حتى يُهِمّ ربُّ المال مَنْ يَقْبل صَدقته، وحتى يَعْرضه، فيقولُ الذي يَعْرضه عليه: لا أرب لي»، وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليأتينَّ على الناسِ زمانٌ، يَطُوفُ الرجلُ فيه بالصَّدقةِ من الذَّهب، ثم لا يجدُ أحداً يَأْخذُها منه». رواه مسلم.

     وسببُ عدمِ قَبُولهم الصَّدقةَ في آخرِ الزَّمان: كثرة الأموال، وظُهور كنوز الأرْض، ووضع البركات فيها، كما ثبت في الصحيح بعد هلاك يأجوج ومأجوج، أنَّ الأرض تُخرج بَركتها، وكذا قلّة آمالهم، وقُرْب السَّاعة، وعدم ادِّخارهم للمال، وكثرة الصّدقات المبذولة، وقد ورد ذلك في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفْسِي بيده، ليُوشكنَّ أنْ ينزلَ فيكم ابنُ مريم حَكَماً عَدلاً، فيكسرَ الصَّليب، ويقتلَ الخِنْزير، ويَضعَ الجزية، ويفيضَ المال حتى لا يقبله أحدُ، حتى تكونَ السَّجدة خيراً منَ الدنيا وما فيها...». متفق عليه.

وفي رواية عنه: «.. وتُنْزلُ السَّماءُ رِزْقها، وتُخْرجُ الأرْضُ بَرَكتها..». رواه أحمد.

المبادرَة بإخراجِ الصدقات والزَّكاة

     ففي الحديث يأمُرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالمبادرَة بإخراجِ الصدقات والزَّكاة، حيث سيأتي على الناس زمانٌ يكثُرُ فيه المالُ، حتَّى إنَّ الرجل يمشي بصدقتِه، أي: بزكاتِه، يبحَثُ عن فقيرٍ يُعطيها له، فلا يجدُه، ويقولُ الرَّجل الَّذي يقدَّمُ له الزَّكاةُ: لو جئتَ بها بالأمسِ، أي: أَعتذِرُ إليك عن قَبولِ زكاتِك، ولو جئتَني قبل هذا اليومِ لأخذتُها منك، أمَّا اليومَ فلا حاجةَ لي فيها، لأنَّني غنيٌّ، ففي الحديثِ: التَّحذيرُ مِن التَّسويفِ في إخراجِ الزَّكاة، لأنَّه قد يكونُ التَّأخيرُ سببًا في عدمِ وجود مَن يقبَلُها.

وفيه: معجزةٌ مِن معجزاتِه - صلى الله عليه وسلم-  بإخبارِه عن الغيبِ مِن انتشارِ الغِنَى بين أفراد المسلمين في آخرِ الزَّمانِ، وقُربِ السَّاعة، حتَّى لا يوجَدَ مَن يقبَلُ الصَّدقةَ، ففي كل ذلك الإنذار بوقوع فقدان مَنْ يقبل الصدقة‏.‏

الحديث الثاني

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «تَقِيءُ الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها، أمْثالَ الأُسْطُوانِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَيَجِيءُ القاتِلُ فيَقولُ: في هذا قَتَلْتُ، ويَجِيءُ القاطِعُ، فيَقولُ: في هذا قَطَعْتُ رَحِمِي، ويَجِيءُ السَّارِقُ فيَقولُ: في هذا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فلا يَأْخُذُونَ منه شيئًا»، وقَوْلُهُ: «تَقِيءُ الْأَرْضُ» شبَّه ما يَخرج من باطن الأرض بالقيء الذي يخرج من بطن الإنسان.

{وأخْرَجت الأرض أثقالها}

     وقد جاء هذا في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وأخْرَجت الأرض أثقالها} الزلزلة: 2. قال ابن كثير: يعني ألقتْ ما فيها من المَوتى، كقوله تعالى: {إنّ زَلْزلة السَّاعة شيءٌ عظيم} الحج:1، وكقوله: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} الانشقاق:4، وفي الحديث: «تلقي الأرض أفلاذ كبدها، أمثال الأسطوان...» فذكر الحديث، وفي تفسير القرطبي نحوه. وفي الجلالين: {وأخرجت الأرضُ أثقالها} قال: كنوزها وموتاها، فألقتْها على ظَهْرها.

{وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}

وفي قوله: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا} قال السَّعدى: من الأموات والكنوز. {وَتَخَلَّتْ} منهم، فإنّه ينفخ في الصُّور، فتخرج الأمْواتُ من الأجداث إلى وجه الأرض، وتُخْرج الأرضُ كنوزَها، حتى تكونَ كالأسْطوان العظيم، يُشَاهده الخلق، ويتحسَّرونَ على ما هم فيه يَتَنافسون. انتهى

 قوله: «أَفْلَاذَ كَبِدِهَا» قال ابنُ السِّكِّيتِ: الْفَلْذُ: الْقِطْعَةُ مِنْ كَبِدِ الْبَعِيرِ، وقَال غيره: هِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ.

ومعْنى الحديث: التَّشْبِيه، أَيْ: تُخْرِجُ ما في جَوْفِها مِنَ القِطَعِ المَدْفُونة فيها.

قوله: «أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذهب والفضة» والأُسْطُوَانُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالطَّاءِ هُوَ جَمْعُ أُسْطُوَانَةٍ، وهِي السَّارِيَةُ والْعَمُودُ، وشَبَّهَها بالأسْطوان، لعظم تلك الأموال وكثرتها.

في هذا قَتَلْتُ!

     قوله: «فَيَجِيءُ القاتِلُ فيَقولُ: في هذا قَتَلْتُ، ويَجِيءُ القاطِعُ، فيَقولُ: في هذا قَطَعْتُ رَحِمِي، ويَجِيءُ السَّارِقُ فيَقولُ: في هذا قُطِعَتْ يَدِي» أيْ: حبُّ المالِ الشَّديدُ، كان سببًا في قَتلِ الأَنفُس، وسرقة الأموال وأخذها بغير حق، فتقطع يد السارق، وسبباً في قَطعِ الأَرْحامِ، بسبب الشّح أو البخل بالمال عليهم، أو أخذه منهم بغير حق.

الحرصِ على المال والشّرف في الدين

     وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - محذّراً أمته: «ما ذِئْبان جائعان, أُرْسِلا في غنمٍ, أفْسد لها مِنْ حرصِ المرء على المال والشّرف لدينه» رواه أحمد والترمذي، لكن هذا المال والذهب سيَكونُ يومًا ما لَيس له قِيمةٌ، حتى إن الناسَ يرون هذه الكنوز العظيمة من الذهب, ثم يَدَعونها ولا يلتفتون لها, ويَتركونَ ما أَلقتْه الأَرضُ منَ الكَنوزِ، أوِ المَعادِن، لأنَّه لا يَنفعُ حينَئذٍ.

وفي الحديث: أنَّ مِن عَلاماتِ السَّاعةِ الصُّغرى الَّتي لم تَقعْ بعدُ: إخراجُ الأَرضِ كُنوزَها المَخبوءَةَ.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة