أخبار سريعة
الأربعاء 21 اكتوبر 2020

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب : الصدقة على الأقربين

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة


عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - يقولُ: كانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بالمَدِينَةِ مَالًا، وكانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيه بَيْرَحَى، وكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدْخُلُهَا ويَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيها طَيِّبٍ، قَال أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هذه الْآيَةُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} آل عمران: 92. قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فَقَال: إِنَّ اللَّهَ يقُولُ في كِتَابِهِ : {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَى، وإِنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْها يا رسُولَ اللَّهِ، حَيْثُ شِئْتَ. قَال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِك مَالٌ رَابِحٌ. قَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ فيها، وإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَها في الْأَقْرَبِينَ». فَقَسَمَها أَبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ، حديث رواه مسلم في الزكاة (1/693) باب: فضل النَّفقة والصّدقة على الأقْربين والزوج والأولاد والوالدين، ولو كانوا مشركين، ورواه البخاري في الزكاة (1403) باب الزكاة على الأقارب. فهو متفق عليه.

قوله: «كانَ أَبُو طَلْحَةَ» أبو طلحة هو زَيدُ بن سَهْل بن الأسْود بن حرام الأنصاري النَّجَّاري - رضي الله عنه -، مشهور بكنيته، منْ كبار الصحابة، شهد بدراً وما بعدها، قال أبو زرعة الدمشقي: مات بعد النبي - صلى الله عليه وسلم- بأربعين سنة.

 

أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ مَالًا

     قوله: «أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ مَالًا» وفي رواية البخاري: «أكثر الأنْصار بالمدينة مالاً منْ نَخْل»، وقوله: «وكانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيه بَيْرَحَى « اختلف في بيرحى: هل هو بكسْر المُوحَّدة أو بفتحها، وهل بعدها همْزة ساكنة أو مثناة تحتية، وهل الراء مَضمومة أو مفتوحة، وهل هو معرب أم لا، وهل حا ممدود أو مقصور، منصرف أو غير منْصرف، وهل هو اسم قبيلة، أو امرأة، أو بئر، أو بستان، أو أرض؟ فنقل في فتح الباري وتبعه العيني عن نهاية ابن الأثير: فتح الموحدة وكسرها، وفتح الراء وضمها، مع المدّ والقَصْر قال: فهذه ثمان لغات، وجزم التيمي بأنَّ المراد به في الحديث: البُسْتان، مُعَللاً بأنّ بساتين المدينة تُدعى بآبارها، أي: البستان الذي فيه بيرُحا.

وقال عياض: حائطٌ سُمّي به وليس اسم بئر، وقال الصَّغاني: بيرحا فيعلى من البَراح، اسم أرضٍ كانت لأبي طلحة بالمدينة، وأهل الحديث يصحّفُون ويقولون: بئرحا، ويحسبون أنها بئر من آبار المدينة، ونحوه في القاموس.

قوله: «وكانت» أي: بيرحا «مستقبلة المَسْجد» النبوي، أي: مقابلته قريبة منه، «وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَدْخلها ويشرب من ماء فيها طيب» أي: في بيرحا.

 

لن تنالوا البرّ

قوله: «فلما أُنْزلت هذه الآية: {لن تنالوا البرّ} أي: لنْ تبلغوا حقيقة البِرّ الذي هو كمال الخير، أو لنْ تنالوا برّ الله -تعالى-، الذي هو الرَّحمة والرِّضا والجنة، {حتى تنفقوا مما تحبون} أي: من بعض ما تُحبون منَ المال، أو منْ غيره، كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة الله، والمُهْجة في سبيل الله.

 

صَدَقة لله، أرْجُو برّها

     قوله: «قام أبو طلحة - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إنَّ الله -تبارك وتعالى- يقول: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وإنَّ أحبَّ أموالي إلي بيرحا، وإنها صَدَقة لله، أرْجُو برّها» أي: خيرها، «وذخرها» بضم الذال المُعْجمة، أي: أقدّمها فادّخرها لأجِدها عند الله، «فضعها يا رسول الله حيثُ أراك الله» فوّضَ تَعْيين مصرفها إليه -عليه الصلاة والسلام-، لكنْ ليس فيه تصريحٌ بأنَّ أبا طلحة جعلها حبْسًا أو وقفاً.

 

بخٍ بخٍ

     قوله: «فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»: «بخْ» بفتح المُوحدة وسكون المُعجمة، كهَلْ وبلْ، غير مكرّرة هنا، قال في القاموس: قل في الإفراد بخ ساكنة، وبخ مكسورة، وبخٍ منوّنة، وبخٌ منوّنة مضمومة، وتُكَرّر بخ بخ، للمبالغة، الأول منوّن والثاني مسكَّن، ويقال: بخ بخ مُسَكنين، وبخ بخ منوّنين، وبخ بخ مشدّدين، كلمة تُقال عند الرضا والإعجاب بالشيء، أو الفخْر والمدح انتهى. فمن نوّنه شبّهه بأسماء الأصْوات، كصَه ومَه.

 

ذلك مالٌ رابحٌ

قوله: «ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابح» بالموحدة فيهما، أي: ذُو رِبْح، أي: يُرْبِحُ صاحبه في الآخرة، أو مال مَرْبوح، فاعل بمعنى مفعول.

قوله: «قد سمعتُ ما قلت» أي: قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد سمعت مقالتك، وعرفت ما تريد. لكن: «إنّي أرَى أنْ تجْعلها في الأقْربين» فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسول الله» برفع لام أفعل مستقبلاً.

 

إنفاق أحب المال إل الأقرباء

     قوله: «فقسمها» أي: بيرحا، قسمها أبو طلحة «في أقاربه وبني عمّه» وهذا منَ عَطْف الخاص على العام، وهذا يدلُّ على أنّ إنفاق أحبِّ الأمْوال، على أقرب الأقارب، أفْضل منْ إنفاقها على الغرباء، وأنَّ الآية تعمّ الإنفاق الواجبَ والمُستحب، قاله البيضاوي، نقله الحافظ ابن حجر ثم قال: لكنْ اسْتشكل وجه دلالة الحديث على الترجمة، لأنَّها للزكاة على الأقارب، وهذا ليس زكاة، وأُجيب: بأنه أثبتَ للزكاة حُكم الصَّدقة بالقياس عليها، قاله الكرماني، فليتأمل.

 

صدقة الواجب

وقال ابن المنير: إنّ صدقة التطوّع على الأقارب، لمَّا لم ينقص أجْرها بوقوعها موقع الصَّدقة والصِّلة معًا، كانت صدقة الواجب كذلك، لكنْ لا يلزم منْ جواز صَدَقة التطوّع على مَنْ يلزم المرءَ نفقتُه، أنْ تكون الصَّدقة الواجبة كذلك.

قال النووي: وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما سبق: أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب، إذا كانوا محتاجين. انتهى.

وقد قال -تعالى- : {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} الأنفال: 75. أي: في حُكم الله، وليس المراد بقوله: {وأولوا الأرحام} خُصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرضَ لهم، ولا هم عصبة، كالخالة، والخال، والعمة، وأولاد البنات، وأولاد الأخوات ونحوهم، بل الآية عامة تشمل جميع القرابات.

صدقةٌ وصلةٌ

وقد أخبره النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ صدَقتَه في أقاربِه أفضلُ، وكما جاء في الحديث: قال - صلى الله عليه وسلم -: «الصَّدقةُ على المسْكينِ صدقةٌ، وعلى ذي القرابةِ اثنتان: صدقةٌ وصلةٌ». أخرجه الترمذي (658)، والنسائي (2582)، وابن ماجة (1844) واللفظ له، وأحمد (16279).

 

الصدقة على الأقارب أفضل

     قال النووي -رحمه الله-: «أجمعت الأمة على أن الصَّدقة على الأقارب أفضل من الأجانب، والأحاديث في المسألة كثيرة مشهورة. قال أصحابنا: ولا فرقَ في استحباب صدقة التطوع على القريب، وتقديمه على الأجنبي، بين أنْ يكون القريب ممن يلزمه نفقته أو غيره. قال البغوي: دفعها إلى قريبٍ يلزمه نفقته، أفضل من دفعها إلى الأجنبي» انتهى من (المجموع) (6/ 238).

 

فوائد الحديث

- ما كان عليه الصحابة -رضوان الله عليهم- من الهمَّةٍ العالية، والرَّغبة في الخَير، وسُرعة الاسْتجابة لله -تعالى- وللرّسول - صلى الله عليه وسلم -، والمبادرة للطاعات.

- وفيه: أنْه ينبغي للمسلم أنْ يُنفِقَ مِن أطيبِ مالِه، وممَّا يحبُّ مِن مالِه، وهناك فرقٌ بين الأطيبِ الذي يتعلَّقُ قلبُه به، وبين الَّذي يُحَبُّه عموما، فإذاُ أنفق من أطيبَ مالِه، كان ذلك دليلًا على أنَّه صادقٌ في محبته للهَ -عز وجل-، وسعيه فيما يرضيه، وهو ما فعَله أبو طَلحةَ - رضي الله عنه - حينما تصدَّقَ ببستانِه، الذي هو أحبُّ أمواله له.

- وفيه بشارة له من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنَّه بذلك سيربَحُ مالَه في الآخرةِ.

- وفي الحديثِ: مشاورةُ أهلِ الفضلِ والعلم في كيفيَّةِ الصَّدقةِ والطَّاعةِ وغيرها.

- وفيه: أنَّ الرَّجلَ الصَّالحَ قد يضافُ إليه حُبُّ شيءٍ من مالِه، وقد يُضِيفه هو إلى نفسِه، وليس في ذلك نقيصةٌ عليه، بل هو مقتضى البشرية.

- وفيه: جواز اتِّخاذُ البَساتينِ والعَقَارِ.

- وفيه: أنَّ الصَّدقةَ إذا كانت جَزْلةً كثيرة، مُدِح صاحبُها بذلك، لكثرة نفعها ودوامه.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة