أخبار سريعة
الأحد 27 سبتمبر 2020

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: فضل صدقة الصحيح الشحيح

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: قَالَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ، فَقَال: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟ فقَال: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغِنَى، ولَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كذَا، وَلِفُلَانٍ كذَا، أَلَا وقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ»، لحديث رواه مسلم في الزكاة (2/716) في باب: بيان أنَّ أفضلَ الصَّدقة صدقة الصّحيح الشّحيح. رواه البخاري في الزكاة (1419) باب: فضل صدقة الشّحيح الصّحيح. فهو متفق عليه.

     قوله: «قَالَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ» قال الحافظ: لم أقف على تسميته، وقوله: «ﺃﻱ ﺍﻟﺼَّﺪﻗﺔ ﺃﻓﻀﻞ؟» ﻫﻮ فيما يظهر لا ﻳُﺮﻳﺪ ﺃﻱّ ﺍﻟﺼَّﺪﻗﺔ ﺃﻓﻀﻞ ﻓﻲ ﻧَﻮْﻋﻬﺎ، ولا ﻓﻲ قدرها وﻛﻤﻴّﺘﻬﺎ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻳُﺮﻳﺪ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺼّﺪﻗﺔ ﺃﻓﻀﻞ ﻣِﻦْ ﻏﻴﺮﻫﺎ.

ﺗﺼﺪّﻕ ﻭﺃﻧﺖَ ﺻﺤﻴﺢ ﺷﺤﻴﺢ

     ﻓﻘﺎﻝ له - صلى الله عليه وسلم -: «ﺃﻥْ ﺗﺼﺪّﻕ ﻭﺃﻧﺖَ ﺻﺤﻴﺢ ﺷﺤﻴﺢ»، تصدَّق: أصلها: تَتصدق، فادْغمت إحدى التاءين. «وأنت صحيح» ﻳﻌﻨﻲ: ﺻﺤﻴﺢ ﺍﻟﺒﺪﻥ من غير مرض، «ﺷﺤﻴﺢ» أي: شحيح ﺍﻟﻨﻔﺲ، لأﻥّ الإﻧﺴﺎﻥ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ صحيحًا، ﻛﺎﻥ شحيحًا ﺑﺎﻟﻤﺎﻝ، وفي رواية للبخاري في الوصايا: «حريص» والشُّح: بُخلٌ مع حِرْص. لأﻥّ ﺍﻟﺼَّﺤﻴﺢ ﻳﺄﻣﻞ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀﻭﻃﻮﻝ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ويُريد الغِنى، ﻭﻳَﺨْﺸﻰ ﺍﻟﻔﻘﺮ، وﻳﺴﺘﺒﻌﺪ ﺍﻟﻤﻮﺕ، ﻭﺇﻥْ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻗﺪ ﻳﻔﺠﺄ الإﻧﺴﺎﻥ، ﺑﺨﻼﻑ ﺍﻟﻤﺮﻳﺾ، ﻓﺈﻧﻪ قد يخشى ﺍﻟﻤﻮﺕ، وﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺗَﺮْﺧﺺ ﻋﻨﺪﻩ، ولا ﺗُﺴﺎﻭﻱ شيئًا، ﻓﺘﻬﻮﻥ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺼّﺪﻗﺔ، ففيه ﺍﻟﺤﺚُّ على ﺍﻟﻤُﺒﺎﺩﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﻓﻌﻞِ ﺍﻟﺨﻴﺮﺍﺕ، ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﺘﺮﺩّﺩ ﻓﻲ ﻓﻌﻠﻬﺎ.

الإﻧْﺴﺎﻥ ﻳﺨﺸﻰ ﺍﻟﻔﻘﺮ

     وقوله: «ﻭﺗَﺨْﺸﻰﺍﻟﻔﻘﺮ» ﻳﻌﻨﻲ: ﻟﻄُﻮﻝ ﺣﻴﺎﺗﻚ، ﻓﺈﻥّ الإﻧْﺴﺎﻥ ﻳﺨﺸﻰ ﺍﻟﻔﻘﺮ ﺇﺫﺍ ﻃﺎﻟﺖ ﺑﻪ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، لأﻥّ ﻣﺎ ﻋﻨﺪﻩ ﻳﻨﻔﺪ، ﻓﻬﺬﺍ ﺃﻓﻀﻞ ﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ، ﺃﻥْ ﺗﺘﺼﺪَّﻕ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺻﺤﺘﻚ وشُحِّك، وقوله: «ولا تُمهل» ﺃﻱ: لا ﺗﺘﺮﻙ ﺍﻟﺼَّﺪﻗﺔ، «ﺣﺘﻰ ﺇﺫﺍ ﺑﻠﻐﺖ ﺍﻟﺤُﻠﻘﻮﻡ» الحلقوُم مَجْرى النَّفس، والمراد: قاربت بلوغه، إذ لو بلغته حقيقةً لم يصح شيءٌ من تصرفاته.

لا تؤخر الصدقة

     قوله: «ﻗﻠﺖ: ﻟﻔﻼﻥ ﻛﺬﺍ، ﻭﻟﻔﻼﻥ ﻛﺬﺍ»، ﻳﻌﻨﻲ: لا ﺗُﻤْﻬﻞ ﻭﺗُﺆﺧّﺮ ﺍﻟﺼّﺪﻗﺔ، ﺣﺘﻰ ﺇﺫﺍ ﺟﺎﺀﻙ ﺍﻟﻤﻮﺕ، ﻭﺑﻠﻐﺖ ﺭُﻭﺣﻚ ﺣﻠﻘﻮﻣﻚ، ﻭﻋﺮﻓﺖ ﺃﻧﻚ ﺧﺎﺭﺝٌ ﻣِﻦَ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻗﻠﺖ: ﻟﻔﻼﻥ ﻛﺬﺍ، ﻳﻌﻨﻲ: ﺻﺪﻗﺔ، «ﻭﻟﻔﻼﻥ ﻛﺬﺍ»، ﻳﻌﻨﻲ: ﺻﺪﻗﺔ، «ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻥ ﻟﻔﻼﻥ»، ﺃﻱ: ﻗﺪ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻟﻐﻴﺮﻙ، «ﻟﻔﻼﻥ»، ﻳﻌﻨﻲ: ﻟﻠﺬﻱ ﻳﺮﺛﻚ، ﻓﺈﻥَّ الإﻧﺴﺎﻥ ﺇﺫﺍ ﻣﺎﺕ ﺍﻧﺘﻘﻞ ﻣﻠﻜﻪ، ﻭﻟﻢ ﻳﺒﻖَ ﻟﻪ ﺷﻲﺀٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ، قال الكرماني: ويحتمل أنْ يكون الثالث للموصي أيضاً، لخُروجه عن الاستقلال بالتصرف فيما يشاء، فلذلك نقصَ ثوابه عن حال الصحة. (الفتح)، وقال الخطابي: الشُّح أعمُّ منَ البُخل، وكأنَّ الشح جنسٌ والبُخل نوع، وأكثر ما يُقال البخل: في أفراد الأمور، والشحُّ عامٌ كالوصف اللازم، وما هو من قبل الطبع.

الشُّح غالبٌ في حال الصّحة

     قال: فمعنى الحديث: أنَّ الشُّح غالبٌ في حال الصّحة، فإذا شحّ فيها وتَصدّق، كان أصدق في نيته، وأعْظم لأجره، بخلاف من أشرفَ على الموت، وآيس مِنَ الحياة، ورأى مصير المال لغيره، فإنَّ صدقتَه حينئذ ناقصةٌ بالنسبة إلى حال الصّحة، والشحُّ رجاء البَقاء، وخوف الفقر». (شرح النووي)، وقال ابن بطال وغيره: لما كان الشُّح غالباً في الصّحة، فالسّماح فيه بالصَّدقة، أصدق في النية، وأعْظم للأجر، بخلافِ مَنْ يئس منَ الحياة، ورأى مصير المال لغيره. (الفتح 3/285).

ضرورة المبادرة إلى الصدقة

     في ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ: ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥَّ الإﻧﺴﺎﻥ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻪ ﺃﻥْ ﻳُﺒﺎﺩﺭ ﺑﺎﻟﺼﺪﻗﺔ ﻗﺒﻞ ﺃﻥْ ﻳﺄﺗﻴﻪ ﺍﻟﻤﻮﺕ، ﻭﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﺗﺼﺪَّﻕ ﻓﻲ ﺣﺎﻝﺣﻀﻮﺭ الأﺟﻞ، ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺃﻗﻞّ فضلاً ﻣﻤﺎ ﻟﻮ ﺗﺼﺪﻕ ﻭﻫﻮ صحيح ﺷﺤﻴﺢ، كما قال -تعالى-: { وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} (المنافقون:10)، قال الطبري: وأنفقوا أيها المؤمنون بالله ورسوله من الأموال التي رزقناكم، مِنْ قبل أنْ يأتي أحدكم الموت فيقول- إذا نـزل به الموت-: يا ربّ هلا أخَّرتني، فتُمْهَلَ لي في الأجل، إلى أجل قريب. (فأصدّق) يقول: فأُزَكي مالي (وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) يقول: وأعمل بطاعتك، وأؤدّي فرائضك. انتهى.

فوائد الحديث

ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ الحديث عدد من الفوائد:

- فيه ﺩﻟﻴﻞ: ﻋﻠﻰ ﺃﻥّ الإﻧﺴﺎﻥ ﺇﺫﺍ ﺗﻜﻠﻢ ﻓﻲ ﺳﻴﺎﻕ ﺍﻟﻤﻮﺕ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﻛﻼﻣﻪ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳَذْﻫﻞ، ﻓﺈﻥْ ﺫﻫﻞ ﺣﺘﻰ ﺻﺎﺭ لا ﻳﺸﻌﺮﺑﻤﺎ ﻳﻘﻮﻝ، ﻓﺈﻧﻪ لا ﻋﺒﺮﺓ ﺑﻜﻼﻣﻪ، لقوله: «ﺣﺘﻰ ﺇﺫﺍ ﺑﻠﻐﺖ ﺍﻟﺤﻠﻘﻮﻡ ﻗﻠﺖ: ﻟﻔﻼﻥ ﻛﺬﺍ، ﻭﻟﻔﻼﻥﻛﺬﺍ..».

- ﻭﻓﻴﻪ ﺩﻟﻴﻞ: ﻋﻠﻰ ﺃﻥَّ ﺍﻟﺮﻭﺡَ ﺗَﺨْﺮﺝ ﻣِﻦْ ﺃﺳﻔﻞ ﺍﻟﺒﺪﻥ، فتصعد ﺣﺘﻰ ﺗﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺃﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﺪﻥ، ﺛﻢ ﺗﻘﺒﺾ ﻣﻦ ﻫﻨﺎﻙ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ: «ﺣﺘﻰ ﺇﺫﺍ ﺑﻠﻐﺖ ﺍﻟﺤﻠﻘﻮﻡ»، ﻭﻫﺬﺍ ﻛﻘﻮﻟﻪ -ﺗﻌﺎﻟﻰ-: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ} (الواقعة: 83-84)، ﻓﺄﻭﻝ ﻣﺎ ﻳﻤﻮﺕُ ﻣﻦ الإﻧﺴﺎﻥ ﺃﺳﻔﻠﻪ، ﺗﺨﺮﺝ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺑﺄﻥْ ﺗﺼﻌﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺪﻥ، ﺇﻟﻰ ﺃﻥْ ﺗﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻠﻘﻮﻡ، ﺛﻢ ﻳﻘﺒﻀﻬﺎ ﻣﻠﻚ ﺍﻟﻤﻮﺕ، ﻧﺴﺄﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥْ ﻳﺨﺘﻢ ﻟﻨﺎ جميعاً ﺑﺎﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ.

- وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: «وفِي الحدِيث: أَنَّ تَنْجِيز وَفَاء الدَّيْن والتَّصَدُّق في الحَيَاة وفِي الصِّحَّة، أَفْضَل مِنْهُ بَعْد المَوْت وفِي المَرَض, وأَشَارَ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى ذلِكَ بِقَوْلِهِ: «وأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ تَأْمُل الْغِنَى الخ» لأَنَّهُ فِي حَال الصِّحَّة يَصْعُب علَيهِ إِخْرَاج المَال غَالِبًا، لِمَا يُخَوِّفهُ بِهِ الشَّيْطَان، وَيُزَيِّن لَهُ مِنْ إِمْكَان طُول الْعُمْر وَالْحَاجَة إِلَى الْمَال، كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: {الشَّيْطَان يَعِدكُمْ الْفَقْر} (البقرة: 268)، وأَيْضًا: فَإِنَّ الشَّيْطَان رُبَّمَا زَيَّنَ لَهُ الحَيْف فِي الوَصِيَّة، أَوْ الرُّجُوع عَنْ الوَصِيَّة.

- قال بعض السَّلَف عن بَعْض أَهْل التَّرَف: يَعْصُونَ اللَّه فِي أَمْوَالهم مرَّتَيْنِ: يَبْخَلُونَ بِها وهيَ فِي أَيْدِيهم، يَعْنِي فِي الْحَيَاة، ويُسْرِفُونَ فيها إِذَا خَرَجَتْ عنْ أَيْدِيهم, يَعْنِي بَعْد الْمَوْت.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة