أخبار سريعة
الخميس 29 اكتوبر 2020

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب قبول الصدقة عن الكسب الحلال الطيب وتربيتها

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة


أوردنا في المقال السابق الحديث الأول في الباب، واليوم مع الحديث الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (المؤمنون: 51)، وقَال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (البقرة: 172)، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»، والحديث رواه مسلم في الباب نفسه، ولم يروه البخاري، وهذا الحديثُ أحدُ الأحاديثِ الَّتِي هي قواعدُ الإسلامِ، ومَبانِي الأحكامِ.

     قوله: «إنَّ اللهَ طيِّب» أي: مُنَزَّهٌ عن النَّقائِصِ والعُيوبِ كلها، ومُتَّصِفٌ بالكَمالاتِ من الأسماء والصفات، فله -سبحانه- الأسْماء الحُسنى، والصفات العلا، فهو بمعنى القُدُّوس، فالطيّب من أسْماء الله الحُسنى، الثابتة بالحديث النبوي الصحيح، ووصف -تعالى- رسوله - صلى الله عليه وسلم- بأنه طيّبٌ يُحل لأمته الطيبات، قال -تعالى-: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (الأعراف: 157)، وهو -تعالى- طيبٌ يُحبُّ منْ عباده أنْ يكونوا طَيبين، في أعْمالهم وأقوالهم واعتقاداتهم وأخْلاقهم، قال -تعالى-: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (فاطر: 10).

وصف المؤمنين بالطيب

     ووصف المؤمنين بالطيب، فقال -تعالى-: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ} (النحل:32)، فالمؤمن كله طيب: قلبه، ولسانه، وجسده، بما في قلبه من الإيمان، وما يظهر على لسانه من الذّكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة، قال - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة: «سُبْحان الله، إنَّ المُسْلم لا يَنْجُس». رواه البخاري (283) في كتاب الغُسل، باب: عرق الجُنب وأنَّ المسلم لا يَنْجس، ومسلم (71)، وبضدّ ذلك الكافر، فإنه نَجِس في غالب أقواله وأفعاله واعتقاداته، قال -تعالى-: {إنما المشركون نَجَس} (التوبة: 28).

قوله: «لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا»

قوله: «لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا» أي: لا يَقبَلُ مِنَ الصَّدقاتِ ونحوِها من الأعْمالِ؛ إلَّا ما كان مُنَزَّهًا عن العُيوبِ الشَّرعيَّةِ، كالبِدَع والمخالفات التي تُبْطلها، وعن الأغْراضِ الفاسدةِ في النِّيَّةِ.

أمْرُ الله للمؤمنين

     قوله: «وإنَّ اللهَ أمَرَ المُؤمنين بما أمَر به المُرسَلين» المرادُ به: أنه أمَرَهم بالأكْلِ من الحلالِ الطيّب، وعمل الصَّالحاتِ، فقال اللهُ -تعالى- في كتابه مُبَيِّنًا ما أمَرَ به المُرسَلِينَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (المؤمنون: 51)، وهذا النِّداء خِطابٌ لجميعِ الأنبياءِ والمرسلين، ولم يُخاطِبوا بذلك دَفعةً واحدةً؛ لأنَّهم أُرسِلوا في أَزمِنَةٍ مختلفةٍ، بل كلّ منهم خُوطِب به في زمانِه، ففيه تنبيهٌ على أنَّ إباحةَ الطَّيِّباتِ شَرْعٌ قديمٌ، وأنّ الشرائع ترفض الرَّهبانِيَّةِ، التي تتركُ كل الشَّهوات، وتهجر المَلذّات كلها حتى المباحة، وفي الآية: إشارة إلى أنَّ الأكلَ من الطَّيِّباتِ: يُوَرِّثٌ عملَ الصَّالِحِات، فهو مما يُتقرَّب به إلى الله -تعالى.

ثم قال اللهُ -تعالى- مُبيِّنًا ما أمَرَ به المؤمنِينَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (البقرة:172)، أي: يا أيُّها الذِينَ آمنوا كلُوا مِن حَلالاتِ الأرزاق ومُستَلَذَّاتِه. (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) فأمر بالشُّكر له -تعالى-، والعمل الصالح، مع الأكل من الطيبات المباحة.

قوله: «ثُمَّ ذَكَر»

     أي: ذَكَرَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - «الرَّجُلَ يُطِيل السَّفَرَ» أي: يُطِيلُ زَمانَ السَّفَرِ، ويُكثِر الرِّحلةَ مُسافِرًا في العباداتِ، كالحَجِّ والعُمْرَةِ، والجِهادِ، وتَعلُّمِ العِلم، وسائِرِ وُجوه الخَيْرَاتِ «أَشْعَثَ، أَغْبَرَ» أي: مِن كثرةِ السَّفرِ، وشدَّةِ عَنائِه؛ يَشْعَثُ شَعَرُه ويَتفرَّق؛ لعدمِ تَهذيبِه أو تَمشيطِه، ويَغْبَرُّ لونُه مِن أثَرِ التُّرابِ والغُبارِ بالطريق.

قوله: «يَمُدُّ يدَيْه إلى السَّماءِ»

أي: يَرفَعُ يدَيْه بالدُّعاء إلى السَّماءِ، مع الشَّعَثِ والغُبْرَةِ والتَّعَبِ والنَّصَبِ، ومَدُّ اليدَيْن إلى السَّماءِ مِنْ أسبابِ إجابة الدُّعاءِ، كما جاء في الحديث الصحيح: «إنَّ ربَّكم حييٌ كريمٌ، يَسْتحي أنْ يَبْسُطَ العَبدُ يديه إليه؛ فيَردَّهما صِفْراً». رواه أبو داود وابن ماجة، فذكر الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - الرجلَ، يعني: الرجل من الرجال، يُطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، فأتى بأسباب تُرجى إجابتها، من دعوة المسافر، والأشعث الأغبر الفقير المضطر الذي تُرجى إجابته، كما قال -سبحانه-: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} (النمل:62). يمد يديه، وهو من أسباب الإجابة. قائلاً: يا رب، يا رب، والإلْحاح في الدعاء من أسْباب الإجابة، ومع هذه الأسباب لا تُقبل دعوته، لماذا؟ لأنه يأكل الحرامَ، ويلبس الحرام، ويتغذَّى بالحرام، فدلَّ ذلك على أن التمتع بالحَرام من أسباب حرمان إجابة الدعاء.

قوله: «يا رَبِّ يا رَبِّ»

     وقوله: «يا رَبِّ! يا رَبِّ!» قائلًا مُكرِّرًا ذلك. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الدُّعاءَ بلفظِ الرَّبِّ مُؤثِّرٌ في الإجابةِ، وقوله: «ومَطْعَمُه حَرَامٌ، ومَشْرَبُه حرامٌ، ومَلبسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرامِ»، أي: طعامُه، وشرابُه، وملابِسُه من كَسْبٍ حرامٍ، وغُذِيَ مِن صِغَرِه إلى كِبَرِه بالحرامِ، وكلُّ هذه الحالاتِ مِن ذِكْر مَطعَمِه ومَشرَبِه وملبسِه الحرامِ، حالاتٌ دالَّةٌ على استِحقاقِ الدَّاعِي عدمَ الإجابةِ، كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فأَنَّى»، أي: فكيف؟! أو: فمِنْ أين؟! والاستِفهامُ للاستِبعادِ، أنْ «يُستَجاب لذلك»، أي: لذلك الرَّجُلِ، أو: لِأَجْلِ ما ذُكِرَ مِن حالِه.

في الحديثِ العظيم من الفوائد

- فيه دليل على أنَّ ربنا -جلَّ وعلا- طيّب لا يَقبل إلا طيبًا، لا يقبل منْ أعمالنا إلا الطيب، فالخبيثُ لا يَقْبله الله، والخبيث هو كلُّ ما كان لغيره، فوقع فيه الشرك، أو كان على غير السُّنة، فلم يُوافق هديَ نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فهو على غير الشريعة، فبذلك يكون رديئًا مرْدُوداً، فلا يقبل العمل إلا إذا توافر فيه شرطان: أحدهما: أنْ يكون لله خالصًا، والثاني: أنْ يكون للشّريعة مُوافقًا، فلا بدَّ مِنَ الشرطين؛ لأنَّ العمل الصالح يشتمل على هذا وهذا.

     قال -تعالى- في الشَّرط الأول: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام: 88). وقال: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الزمر: 65)، فإذا عمل عملًا أشْرك فيه غير الله، أي: فيه رياء وسمعة، بطل أجره.

- والشرط الثاني: أنْ يكون مُوافقًا للشريعة. فإذا كان عمله بدعةً؛ بطل أجره، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أحْدثَ في أمْرنا هذا، ما ليسَ منه فهو ردٌّ»، وفي رواية: «مَنْ عَمِلَ عملًا ليس عليه أمْرُنا؛ فهو ردٌّ».

تقوى الله ومراقبته

وفي الحديث أنَّ الواجب على المؤمن أن يتَّقي الله ويُراقبه، وأنْ يتقيَّد بالطيبات، ويتحرى الحلالَ في أكله وشربه وسكنه ولبسه وغير ذلك، وأن يكون الإنْفاقِ مِنَ الحلالِ فحسب، والنَّهيُ عن الإنفاقِ من الحرام.

طاعة الله وشكره

     وفي الحديث أنْ يُطيع الله ويشكره على ما أعطاه من النعم، وهذا الشُّكر يكون بالإخلاص له، وبمتابعة رسوله، وأنْ يُؤدي ما أوجب الله عليه، ويدع ما حرَّم الله عليه عن نيةٍ خالصةٍ لله، فهذا هو الشكر على ما رزقه من الطيبات، كما قال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، وقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} (البقرة:152)، فشكرُ الله هو أداء حقِّه على الوجه الذي شرعه -سبحانه وتعالى-، لا شركَ فيه ولا بدعةَ، ومَنْ استعانَ بنعم الله على معاصيه؛ فقد أخطأ.

     وقد تضافرت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، في الحثِّ على الأكل من الحلال، والتعامل بالحلال، والنَّهي عن ضده، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} (البقرة: 168). وقال -تعالى-: {ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} (النساء:29).

     وروى البخاري: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يأتي على الناسِ زمانٌ لا يُبَالي المرءُ ما أخذ؛ أمنَ الحلال أم منَ الحرام؟»، أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب من لم يبال من حيث كسب المال (2059)، وعن المقدام - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أكلَ أحدٌ طعاماً قط؛ خيراً منْ أنْ يأكلَ منْ عَملِ يده، وإنَّ نبيَّ الله داود؛ كان يأكل من عمل يده»، رواه البخاري (2072) كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده.

الصدقة من المال الحرام غير مقبولة

     وفيه ما بينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يقبل عند الله المال إلا إذا كان طيبًا، فالصدقة من المال الحرام غير مقبولة، روى مسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول»، رواه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة (224)، وفي الصحيحين مرفوعاً: «ما تصدق عبد بصدقة من مال طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه». أخرجه البخاري ومسلم.

المال الحرام مانع لإجابة الدعاء

     التعامل بالمال الحرام أكلاً ولباسًا وتغذية؛ مانع لإجابة دعاء الداعي، مهما توفرت أسباب الإجابة منَ: السفر، والتبذل، ورفع الأيدي، والإلحاح، وغيرها. قال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة، وقد سددت طرقها بالمعاصي، وقد ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث بعضَ آداب الدعاء، التي هي مِنْ أسباب الإجابة، وهي:

أولاً: إطالة السَّفر

     والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء، فروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده». أخرجه أبو داود (1536)، والترمذي (1905)، ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء؛ لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان، وتحمل المشاق.

ثانيًا: رفع الأيدي في الدعاء

فعن سلمان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله تعالى حييٌ كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه؛ أن يردهما صفرا خائبتين». أخرجه أبو داود (1488)، والترمذي (3556).

ثالثًا: الإلْحاح على الله- عزّوجل

     وذلك بذكرِ رُبوبيته بقول: يا رب، يا رب، وهو منْ أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء، والدعاء كما هو معلوم، مِنْ أعظم ما يتقرّب به إلى الله -تعالى-، ويُسْتعان به على تحقيق المطالب الدنيوية والأخْروية، وإذا حُرِم المسلم إجابة دعائه؛ حُرِم خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة