أخبار سريعة
الثلاثاء 13 ابريل 2021

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: الصَّدقة ووجُوبها على السُّلامَى

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة


عن عَائِشَةَ -رضي الله عنها-: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَال: «إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ، وحَمِدَ اللَّهَ، وهَلَّلَ اللَّهَ، وسَبَّحَ اللَّهَ، واسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ، عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِ مِائَةِ السُّلَامَى، فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنْ النَّارِ». قال أَبُو تَوْبَةَ ورُبَّمَا قال: «يُمْسِي». الحديث أخرجه مسلم في الزكاة (2/698) في الباب السابق: باب: بيان أنَّ اسم الصَّدقة يقع على كلِّ نوعٍ مِنَ المعروف.

     قوله: «إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ» أي: أنَّ الله -تعالى- خَلَق في بدن الإنسان ثلاثمائة وستين مفْصلا، وهي السُّلَامَى التي جاء ذكرها في هذا الحديث، والمراد بها عظام البَدَن ومفاصله جميعها، قال النووي -رحمه الله-: «وأَصْلُهُ: عِظَامُ الْأَصَابِعِ، وسائِرِ الكَفِّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي جَمِيعِ عِظَامِ الْبَدَنِ ومَفَاصِلِهِ».(شرح مسلم) (5/233).

المَفَاصل والعِظام نعمةٌ عظيمة

وهذه المَفَاصل والعِظام نعمةٌ عظيمة مِنَ الله على الإنسان؛ تمكّنه من الحركة في مصالحه، وسعيه في منافعه المختلفة، فكان واجباً على المُسْلم شكر الله -تعالى- كل يوم على هذه النِّعمة المتجدّدة.

     قال ابن بطال -رحمه الله-: «قال المهلب: على كل واحد منها صدقة لله، مِنْ فعل الطاعة والخير كلّ يوم؛ إذْ كلّ موضع شعرة فما فوقها منْ جَسد الإنسان عليه فيه نعمةٌ لله، يلزمه شكره، والاعتراف بها حين خَلقه صحيحًا يتصرَّف في منافعه وإرادته، ولم يجعل في ذلك الموضع داءً يمنعه أَلَمه مِنْ استعماله، والانتفاع به». انتهى.(شرح صحيح البخاري) (8/98).

الشكر الواجب والمستحب

وهذا الشُّكر على هذه المفاصل على درجتين: منها الواجب، ومنها المستحب، قال ابن رجب -رحمه الله-: «وظاهرُ الحديث يدلُّ على أنَّ هذا الشُّكر بهذه الصَّدقة واجبٌ على المسلم كلَّ يوم، ولكن الشُّكر على درجتين:

- إحداهما: واجب، وهو أنْ يأتي بالواجبات، ويجتنب المحارم، فهذا لا بدَّ منه، ويكفي في شكر هذه النِّعم.

- الدرجة الثانية منَ الشُّكر: الشكر المستحبُّ، وهو أنْ يعملَ العبدُ بعد أداءِ الفرائض، واجتنابِ المحارم بنوافل الطَّاعات، وهذه درجةُ السَّابقين المقرَّبين». (جامع العلوم والحكم) (2/717).

فالحديث يدل على استحباب التَّصدق عنْ هذه المفاصل، وثبت فيه وفي غيره من الأحاديث ما يدل على إجْزاء الأذكار المتنوعة، وركعتي الضُّحى عن هذه الصدقات.

على كلِّ مُسلم صدقة

     قال ابن حجر في فتح الباري: على كلِّ مُسلم صدقة، أي: على سبيل الاستحباب المتأكد، أو على ما هو أعمّ من ذلك، والعبارة صالحة للإيجاب والاستحباب، كقوله -عليه الصلاة والسلام-: «على المسلم ست خصال..»، فذكر منها ما هو مُستحب اتفاقاً. (الفتح 3/308).

إلى أنْ قال: «والذي يظهر أنَّ المراد أنَّ صلاة الضحى تقوم مقام الثلثمائة وستين حسنةً، التي يستحب للمرء أنْ يسعى في تحصيلها كل يوم، ليعتق مفاصله التي هي بعددها، لا أنَّ صلاة الضحى تغني عن الأمر بالمعروف وما ذكر معه» انتهى.

صلاة ركعتين

     وقال ابن الجوزي: «ينبغي للإنسان أنْ يَجتهد كلَّ يوم أنْ يأتي مِنْ أفعال الخير بمقدار ذلك العَدد، فإنْ لم يُطق؛ سبَّح أو قَرأ هذا المقدار، على أنَّ صلاة ركعتين ينوب عن ذلك، مِنْ جهة أنّه إذا قام وقعد وركع وسجد، فقد شَكر بكل الأعضاء» انتهى. (كشف المشكل من الصحيحين).

أهميّة صلاة الضحى

     والحديث يدل على أهميّة صلاة الضحى، وكثرة الثواب المرتّب عليها، فهي تجزئ عنْ ستين وثلاثمائة صدقة، وقد ذكر الملا على القاري -في (شرح المشكاة)- احتمالين في معنى «كبر وحمد وهلل وسبح» فقال: «فمَن كبَّر الله، أي عظَّمه، أو قال: الله أكبر، وحمد الله أي: أثنى عليه أو شكره، وهلَّل الله، أي: وحده، أو قال: لا إله إلا الله، وسبح الله، أي: نزَّهه عمَّا لا يليق به من الصِّفات السلبية، أو قال: سبحان الله، واستغفر الله، أي: بالتوبة أو اللسان» انتهى.

ويؤيد ترجيح قصد الألفاظ قوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الآخر: «إنَّ بكلّ تسبيحةٍ صدقة، وكل تكبيرةٍ صدقة، وكلّ تحميدةٍ صدقة، وكل تهليلةٍ صدقة..». رواه مسلم.

خلقَ الله الإِنسان في أَحْسنِ تَقويمٍ

وفي الحديث أنَّ اللهُ خَلَقَ الإِنسانَ في أَحْسنِ تَقويمٍ، وهيَّأَ لَه من الأَحوالَ التي تسهل له الحَياةِ، وهَداهُ وأَرشدَه وأَعطاهُ من النِّعم الَّتي تُعَدُّ ولا تُحصى، وهذا كلُّه يَستوجبُ شُكرَ اللهِ وحَمدَه، ولكنْ أَنَّى لَه أن يُكافِئَ نِعَمَ اللهِ -تعالى- عليه؟

     ورَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقرّر ذلك، فَيقول: «خُلِقَ كُلُّ إِنسانٍ مِن بَني آدمَ» أي: خَلَقَ اللهُ كلَّ بَني آدمَ بطَريقةٍ واحدَةٍ، وَهذا بيانٌ لإفادةِ التَّعميمِ أنَّ البَدنَ خُلِقَ «عَلى سِتِّين وثَلاثِ مئةِ مَفْصِلٍ» أي: لكُلِّ إِنسانٍ هذا العَددُ مِن المَفاصلِ، والمَفْصِلُ هو: مُلتَقى كلِّ عَظمَينِ في الْبدَنِ، وهذا ممَّا يَنبَغي الشُّكرُ عليهِ، ولكنْ كَيفَ ذلكَ؟

أَنواعِ الحَمدِ والشُّكرِ والذّكر

     قالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُرشدًا إلى أَنواعِ الحَمدِ والشُّكرِ والذّكر، الَّتي تُعافي فاعلها مِنَ النَّارِ، فقال: «فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ»، أي: عَظَّمَه، أو قال: اللهُ أكبرُ، ومَنْ «هَلَّل اللهَ» أي: وَحَّدَه، أو قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، «وسبَّح اللهَ»، أي: نَزَّهَه عمَّا لا يَليقُ بهِ مِنَ الصِّفاتِ، أو قال: سُبحانَ اللهِ، «وعَزلَ حَجَرًا عن طَريقِ النَّاسِ، أو شَوكةً أو عَظمًا مِن طَريقِ النَّاسِ»، أي: أَبعَد وأزالَ ونحَّى، ولَفظُ: «أو» للتَّنويعِ، «وأَمَر بمَعروفٍ، أو نَهى عنْ مُنكرٍ» أي: مَن كانَ مِن حالِه الأَمرُ بالمَعروفِ والنَّهيُ عنِ المُنكرِ.

     فمَنْ فَعَلَ مِن هَذه الأُمورِ ما يُوازي «عَددَ تِلكَ السِّتِّين والثَّلاثِ مِئةِ السُّلامَى» يَعني: مَن فَعلَ الخَيراتِ المَذكورةَ، فتَكونُ نَتيجةُ فِعلِه هذا: أنَّه «يَمشي يَومَئِذٍ، وقدْ زَحزحَ نَفسَه عنِ النَّارِ»، أي: فإنَّه وقتَ فَعَلَ ذَلك يَمشي عَلى الأَرضِ، وقدْ أَبْعدَ نَفْسَه ونَحَّاها عنِ النَّارِ في الآخرَةِ. يقال: زحزحه، أي: نحَّاه عن مكانه، وباعده منه.

زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ

     وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإنه يمسي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ» قوله: «وقد زحزح نفسه»: أي باعدها عن النار، وقيَّدَ الفعل بالظرف: يومئذ، دلالة علي إيجاب الشُّكر في كلّ يوم، وبالحال يعني قوله: وقد زحزح..؛ إشعارًا بأنَّ غير الشاكر كائن في النار، ومنغمس فيها، وبالصدقة يتخلص منها، ويمضي وما عليه تبعة من ذلك.

تأدية شكر النعمة

     فالعبد بفعله هذه الأعمال يكون قد أدّى شكر نعمة الله عليه بهذه المفاصل، وأعتقها من النار، قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: «تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ عائِشَةَ المَذْكُورِ أَنَّها (أي تلك الأعمال المذكورة سابقا) شُرِعَتْ بِسَبَبِ عِتْقِ الْمَفَاصِلِ، حَيْثُ قَال في آخِرِ هَذَا الحدِيثِ فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ، وقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ». انتهى (فتح الباري) (3/308)، فمعناه: أن نعمة هذه المفاصل لما استوجبت الشكر منَ العبد، أصبح العباد على فريقين: شاكر، وغير شاكر، فمن شكر فقد أدّى ما عليه، ونَجَا من عذاب الله، ومن غفل ولم يشكر فقد عرض نفسه لعذاب الله -تعالى.

- وفي الحديث تَعدُّدُ أَبوابِ الطَّاعاتِ المُؤدِّيةِ إلى الخَلاصِ منَ النَّارِ.

- وفيه أيضًا: إِرشادُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُمَّتَه إلى كُلِّ الخَيراتِ، وَما فيهِ طاعةُ رَبِّهم وشُكرُه وحَمدُه سُبحانَه.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة