أخبار سريعة
الأربعاء 03 مارس 2021

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: في الكَفَاف والقَناعة

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزِقَ كَفَافًا، وقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ»، الحديث رواه مسلم في الزكاة (2/730) وبوب عليه بمثل تبويب المنذري.

قوله: «قد أفلح»

     الفلاح هو: حصول المَطلوب، والنّجاة من المرهوب، بمعنى: الظفر بالمطالب، والخلاص من الأمور المخوفة، وهذه بغية كل إنسان، أن يحصل له مطلوبة، وأن ينجو مما يكره ويخاف ويحاذر، قد أفلح من أسلم» ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم  - ثلاث خصال علق بها الفلاح.

الأمر الأول: مَنْ وفَّقه الله -تعالى- للإسلام

     فإنّ مَنْ وفَّقه الله -تعالى- للإسلام؛ قد حاز الفَلَاحَ وفاز به، مَن أَسْلَمَ إسلامًا صحيحًا؛ لأنَّه خَلَص مِن الكُفرِ والشِّركِ، وهو الذَّنْبُ الذي لا يَغفِرُه الله، فحصلت له السعادة في الدنيا والآخرة، وعلى قدر إسلام العبد على قدر ما يحصل له من الفلاح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علقه بذلك قد أفلح من أسلم والحكم المعلق على وصفٍ يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، فعلى قدر إسلام العبد وجهه وقلبه وجوارحه ولسانه لله -تبارك وتعالى-؛ على قدر ما يكون عنده من الفلاح، وينقص فلاح الإنسان بحسب ما نقص مِنْ إسْلامه.

والأمر الثاني: «رُزق كفافا»

منصوب على الحال، الكفاف: قال في النهاية: هو الذي لا يَفْضل عن الشيء، ويكون بقَدْر الحاجة إليه. انتهى فهو الكفاية بلا زيادة ولا نقص، وقال القرطبي رحمه الله: أنْ يجد الإنسان ما يدفع ضروراته وحاجاته.

     والمرادُ به: الرِّزقُ الحلالُ؛ لأنَّه لا فَلاحَ مع رزقٍ حرامٍ، وفيه فضيلة هذ الوَصف، وقد يُحتج به لمذهب مَنْ يقول: الكفاف أفضل مِنَ الفقر ومن الغنى، فالرزقُ الكفاف هو رزقٌ لا يَصل به إلى حدّ أهل الترف، بل يجد ما يدفع به ضرورته، ولا يحتاج إلى الناس في أمور المعاش الأساسية مِنَ المأكل، والمشرب، والملبس، والمسكن ونحو ذلك، دون أنْ يصل به إلى حد أهل السَّعة، والثراء في الدنيا، وإذا حصل للإنسان هذا؛ استغنى به عن المخلوقين؛ لأنَّ الحاجة إليهم مُذلة، ثم إنَّ الإنسان إذا كان لا يجد شيئاً يأكله، ولا يطعم عياله، فإنَّ هذا الجوع والفقر يقلقه ويشغل فكره عن الطاعات، وعن العلم والدعوة، فإذا حصل للإنسان الكفاية فهذا لا شك أنّه هو المطلوب.

وأمَّا الزيادة والرزق الواسع؛ فإنها قد تكون مشغلة للمسلم أيضاً، فينشغل باله وعقله وجوارحه بهذا القدر الزائد، أين يصرّفه؟ وماذا يفعل به؟ وكيف يستثمره؟ وهكذا.

فلو قيل لبعض الناس: جاءتك هبة أو مال كثير، أو أرضًا واسعة، لذهب كل الليل وهو يُفكر فيه كيف سيستفيد منه؟ وكيف سيستثمره؟ ويشتغل فكره به، وهو في غنىً عنه أصلاً، فقد كان مرتاح البال قبله.

     ولذلك تجد الرجل الذي رُزق كفافا، مع أهله وزوجه وأولاده، يجلس معهم، ويُربيهم ويعلمهم، وعيشته رضيَّةٌ هنية، لكن إذا كثر عنده العرَض من عرض الدنيا، اشتغل عنهم به، وطلب الزيادة فيه، فلا يكاد أهله ولا أولاده يرونه، ولا يسمعون منه، ولا يجلسون معه، ويتمنون الساعة التي يجلسون معه فيها، ويأتي في آخر النهار، وهو في حالٍ من التعب والإنهاك، فما فائدة المال الكثير؟ إلا الاشتغال، والقلق، والأمراض البدنية من الضغط، والسكر، والقلب، هذه هي النتيجة.

قوله: «وقنّعه الله بما آتاه» أي: رزَقه الله القَناعَةَ بما عندَه مِن الكَفافِ، فلم يَطلُبِ الزِّيادةَ، فوجود ما يكفي الإنسان، مع قناعته بما آتاه الله -تعالى- منْ رزق، نعمة عظيمة من الله -تعالى.

من صفات المنافقين

     وتراجع الإنسان عن التمسك بدين الله -تعالى-، بسبب عسر حاله من فقر وغيره، هو من صفات المنافقين، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} هو المنافق؛ إنْ صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت؛ انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو ضيق أو اختبار ترك دينه ورجع إلى الكفر، انتهى. ذكره ابن كثير في تفسيره، فعليك بتقوى الله -تعالى-، والإكثار من الاستغفار، فهو من أعظم أسباب الرزق، قال -تعالى- حكاية عن نوح - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لقومه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} (نوح:10-11).

تنبيه

     سعة الرزق مع عصيان الله -تعالى-، إنما هو مِنَ الاستدراج، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيتَ الله يُعْطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يُحبُّ، فإنما هو اسْتدراج، ثم تلا رسول الله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسوُنَ}، رواه أحمد من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-، كذلك ما تجده من ضيق الحال بعد التوبة فلعله ابتلاء لك، هل أنت صادق في توبتك أم لا؟ وقد يكون مشتملا على خير لك، فوجود الغنى قد يكون سبباً للطغيان والكبر، كما قال الله -تعالى-: {وَلَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأرْضِ} (الشورى: 27).

فوائد الحديث

في هذا الحديثِ عدد من الفوائد منها:

- إرشادٌ مِنَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِأُمَّتِه إلى أنَّ ترك طلَب الزيادةِ على الكَفافِ، فلا يَنبغِي أن يُتعِبَ الإنسانُ نفسَه في طَلَبِه؛ لأنَّ المحمودَ مِنَ الرِّزقِ ما حَصَلَتْ به القُوَّةُ على الطاعة، ويكونُ الاشتِغالُ به على قَدْرِ الحاجة.

- وفيه: الفَوْزُ والفَلاحُ لِمَنْ أَسْلَمَ لله، ورَضِيَ بما قَسَمه الله له.

- وفيه: أنَّ القَناعَةَ مِن أسبابِ الفَلَاحِ.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة