أخبار سريعة
الخميس 28 اكتوبر 2021

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: ليس الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ»، الحديث رواه مسلم في الزكاة (2/726) وبوب عليه النووي؛ كتبويب المنذري، وأخرجه البخاري في الرقاق برقم (6446) باب: الغنى غنى النفس.

الغنى الحقيقي

     قوله: «ليس الغِنى» يعني: ليس الغِنى الحقيقي، أو ليس الغنى النافع، وقوله: «عن كثرة العرَض» أي: بكثرة العرَض، والعرَض المقصود به: ما يُنتفع به من المال من غير النَّقدين الذهب والفضة، قاله ابن فارس وغيره. أي: كالعقارات، والزُّروع، والدَّواب، والمراكب، وما أشبه ذلك، فليس الغِنى الحقيقي بسبب كثرة ما عند الإنسان مِنَ الثروات، مِنَ العقارات والشركات ونحوها، وإنَّما الغِنى غِنى النَّفس، وهذا منْ جوامع الكلم، منْ جَوامع كلمه -عليه الصَّلاة والسلام-، فقد اختُصر له الكلام اختصاراً، وأيضاً: «ليس الغِنى» يعني: ليس الغِنى النافع، أو الغنى العظيم، أو الغنى الحق، المَحمود والمَمدوح شَرعاً؛ هو بكثرة العَرَض.

الغِنَى غِنَى النَّفْس

     قوله: «وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» وفي رواية أحمد: «إنِّما الغِنى في النَّفس» أي: الغنى المحمود: شَبع النفس، وقلّة حرصها؛ لا كثرة المال؛ مع الحرص على الزيادة، لأنّ مَن كان طالباً للزيادة؛ لم يَستغن بما معه، فليس له غنى. (النووي)، قال ابن بطال: «معنى الحديث: ليس حقيقةُ الغِنى كثرة المال، لأنَّ كثيرًا ممن وَسَّع الله عليه في المال؛ لا يَقنعُ بما أُوتِي؛ فهو يجتهد في الازْدياد، ولا يُبالي منْ أينَ يأتيه، فكأنه فقيرٌ لشدّة حِرْصه، وإنَّما حقيقة الغِنى غِنى النَّفس، وهو مَنْ اسْتغنى بما أوتي، وقَنع به ورَضِي، ولم يحرص على الازْدياد، ولا ألحَّ في الطَّلب، فكأنَّه غني».

إنَّما الغنى غِنى القلب

     وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول لله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا ذر، أتَرَى أنَّ كثرةَ المال هو الغِنى؟» قلت: نعم يا رسول الله، قال: «أفتَرَى قلَّةَ المالِ هو الفقر؟» قلت: نعم يا رسول الله، قال: «إنَّما الغنى غِنى القلب، والفقرُ فقر القلب». رواه ابن حبان، وقال الألباني: صحيح. (صحيح الترغيب والترهيب 820)، وفي رواية: «يا أبا ذر، أتَرَى أنَّ كثرة المال هو الغنى؟ إنَّما الغِنَى غنى القلب، والفقرُ فقرُ القلب، مَنْ كان الغنى في قلبه، فلا يضرُّه ما لقي مِنَ الدنيا، ومَنْ كان الفقر في قلبه، فلا يُغْنيه ما أُكْثر له في الدنيا، وإنَّما يَضرُّ نفسه شُحُّها». رواه النسائي وابن حبّان. (صحيح الجامع: 7816)، وفي صحيح مسلم: عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قد أفْلحَ مَنْ أَسْلم، ورُزِقَ كَفَافاً، وقنَّعه اللهُ بما آتَاه».

استغناء النفس

     وفي قوله -تعالى-: {ووجَدكَ عَائلاً فأغْنى} (الضحى: 8). أي: كنتَ فقيراً ذا عيال، فأغْناك الله عمَّن سِواه، فجمعَ له بين مقامي الفقير الصَّابر، والغِني الشَّاكر، - صلى الله عليه وسلم -، وقال القرطبي: «وبيانه أنَّ المَرء إذا اسْتغنتْ نفسه؛ كفَّت عن المَطامع، فعزَّت وعَظُمت، وحَصَل لها من الحَظْوة والنزاهة والشَّرف والمدح، أكثر مِنَ الغنى الذي يناله مَنْ يكونُ فقيرَ النَّفس؛ لحرصه؛ فإنه يُورِّطه في رذائل الأمُور، وخَسائس الأفعال، لدناءة همَّته وبُخله، ويكثر مَنْ يَذُمُّه مِنَ الناس، ويَصغر قَدْره عندهم، فيكون أحقر مِنْ كلِّ حقير، وأذلّ منْ كلِّ ذليل».

الواقع يشهد بهذا

     والواقع يشهد بهذا، فقد يكونُ الإنسان عنده الشَّيء الكثير من المال، ولكنْ دائماً همّ الفَقر يُطارده ويلاحقه حيثما ذهب، فهو يتخوف مِنَ الفجائع والخسائر، والكوارث والمصائب، وهبوط الأسعار، وكساد السّلع، وسواءً كان ذلك في سوق البضائع، أو الأسهم، أو في سُوق العقار، أو في العملات أو غير ذلك، فعلى كثرة ما عنده مِنَ الأموال، فهو دائماً في قلِقٌ، ويشعر دائماً أنه بحاجة إلى زيادة حتى لا يفتقر، وهؤلاء لو سألت الواحد منهم: أليس عندك ما يَكفيك؟ لقال: نعم، إذًا لماذا يتفرّق القلب ويفرق ويخاف، ويكثر الهمُّ من أجل هذه الدنيا؟! فالفقر أحْياناً يكون في القلب، ومنْ ثَمّ فإن هذا الإنسان مهْما أوتي من المال؛ لنْ يحصل له الرضا، ولن تطمئن نفسه، بينما تجد منْ رزق القناعة، وكان همَّه الدار الآخرة مع طلب الرزق بالشيء المعقول، فهذا هو الغنى.

العِفَّة والغِنى

     وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «جَمَع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين «العِفَّة والغِنى» في أحاديث عدة، منها: قوله:»منْ يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله». و»أهل الجنة ثلاثة: ذو سُلطان مقسط، ورجلٌ غنى عفيف متصدق». ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم - في الخيل: «ورجلٌ ربَطها تغنيا وتَعَففا، ثم لم ينْسَ حقِّ الله في رِقابها ولا ظُهورها، فهي لذلك ستر». ومنها: قوله في حديث عمر: «إذا جاءك من هذا المال شيءٌ، وأنت غيرُ مُشرف ولا سائل، فخُذه؛ وما لا فلا تُتْبعه نفسك». فالسائل بلسانه وهو ضِدُّ المُتعفف، والمشرف بقلبه وهو ضدُّ الغِنى، قال تعالى في حق الفقراء: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) البقرة: 273. أي: عن السؤال، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الغِنى عنْ كثرة العَرَض، وإنما الغنى غنى النفس». فغنيُّ النَّفس الذي لا يستشرف إلى المَخلوق، فإنَّ الحُر عبدٌ ما طمع، والعبدُ حرٌ ما قنع. وقد قيل: أطعتُ مطامعي فاسْتعبدتني، فكرِه أنْ يُتْبع نفسَه ما اسْتشرفت له، لئلا يبقى في القلبِ فقرٌ وطمعٌ إلى المَخلوق، فإنَّه خلافُ التوكّل المأمور به، وخلافُ غنى النفس».مجموع الفتاوى (18/329) بتصرف.

     وقال أيضا: «قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} (فصلت:30). قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: لمْ يَلتفتوا عنه يمنةً ولا يسرة. فلمْ يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه لا بالحبِّ، ولا بالخَوف، ولا بالرجاء، ولا بالسُّؤال، ولا بالتوكِّل عليه، بل لا يُحبُّون إلا الله، ولا يُحبُّون معه أنداداً، ولا يُحبُّون إلا إيَّاه، ولا يَخافون غيره كائناً مَنْ كان، ولا يَسْالون غيره، ولا يَتشرفون بقلوبهم إلى غيره». (الفتاوى: 28/34)

     وكان من دعائه - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، ومِنْ دُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلاَءِ الأَرْبَعِ». رواه الترمذي (3482)، وأبو داود، كتاب الوتر، باب في الاستعاذة (1549) والنسائي، كتاب الاستعاذة (5470)، وأحمد (6561)، وأصله في مسلم، فقوله - صلى الله عليه وسلم  -: «ومنْ نفس لا تشبع» أي: مِنْ جمع المالِ وحطام الدنيا أشراً وبطراً، أو مِنْ كثرة الأكل، الجالبة لكثرة النوم، المؤدية إلى تفويت الواجبات، ومضار الدنيا والآخرة.

فوائد الحديث

     من فوائد الحديث أنَّ الفقر والغنى ابتلاء من الله -تعالى-، يختبر بهما عباده في الشُّكر والصبر، كما قال -تعالى-: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} (الكهف:7)، وقال -تعالى-: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} (الأنبياء: 35)، فعلى المسلم أنْ يصبر عند الفقر والشِّدة؛ فلا يتسخَّط أو يضجر، بل يكون راضيًا بقضاء الله وقدره عليه؛ فإنّ ذلك يورثه الطمأنينة في قلبه، والراحة في نفسه.

طلب المال من طرقه المباحة

     ومن الفوائد أنه لا حرجَ على المسلم في طلبِ المال واكتسابه منْ طُرقه المباحة؛ ليقضي به مصالحه، وينفق منه على مَنْ يعول، ويَبْذل ما تيسر منه في سُبُل الخير المختلفة، ولكن المحذور طلبه مِنْ كلِّ طريق بلا تمييز بين الحلالِ والحرام، أو أن يُبالغ في السَّعي في تحصيله، فيضيع الواجبات والفرائض، أو يقع في المُحرمات؛ من أجل الازدياد منه، وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «منْ جَعَل الهُموم همًّا واحداً، همَّ المَعاد، كفَاه اللهُ سائرَ هُمُومه، ومَنْ تَشعّبت به الهُمومُ مِنْ أحوالِ الدُّنيا، لمْ يُبالِ اللهُ في أيِّ أوديتها هَلَك». رواه ابن ماجة.

جهاد النَّفس

     ومن فوائده جهاد النَّفس، وهو أن أنْ يَسْعى العبد إلى ترويض نفسه، وتربيتها على القناعة بما آتاه الله، ولا يتطلَّع إلى الآخرين، وهذا في الأمور الدنيوية، ينظر إلى مَن هو دونه؛ لأن الكثيرين إنَّما ينظرون إلى من هم فوقهم، ولذا فهو دائماً لسان حاله يقول: «هناك من هو أكثر مني، إذن ينبغي أنْ أنافسه، وأسْعى وأجد وأجتهد»، والواجب أنَّ الإنسان ينظر إلى من هو دونه في الدنيا، وأمَّا في أمُور الآخرة فينظر إلى مَنْ هو فوقه، ونحن في كثيرٍ منَ الأحيان نعكس القضية.

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة