أخبار سريعة
الخميس 28 اكتوبر 2021

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: مَنْ تحلّ له المسألة

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ - رضي الله عنه - قَال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَسْأَلُهُ فِيها، فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ؛ فَنَأْمُرَ لَكَ بِها» قَال: ثُمَّ قَال: «يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا؛ ثُمَّ يُمْسِكُ، ورَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَال: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ. ورَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ؛ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَال: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ المَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ؛ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» الحديث رواه مسلم في الزكاة (2/722) وبوب عليه النووي بمثل تبويب المنذري، وقبيصة بن المخارق هو ابن عبد الله بن شداد بن ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة العامري الهلالي، صحابي وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، يُكنى أبا بشر، عاش في البصرة.

قوله: «تحملت حمالة»

«تحملت حمالة» هي بفتح الحاء، وهي المال الذي يتحمله الإنسان؛ أي: يَسْتدينه ويدفعه في إصْلاح ذاتِ البين، كالإصلاح بين قبيلتين أو عائلتين ونحو ذلك.

وقوله: «َفأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَسْأَلُهُ فِيها» أي: جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعينه على قضائها، فأعانَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم-؛ لأنَّه مِمَّن يَحِقُّ له السؤالُ، ويَستَحِقُّ الصَّدقَةَ.

قوله: «فقال: أَقِمْ حتَّى تَأتِيَنا الصَّدَقةُ، فنَأمُرَ لكَ بها» أي: ذهَبْتُ أطلُب مِن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - العَوْنَ على الحَمالَةِ، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: انْتَظِرْ حتَّى تَأتِيَنا الصَّدقةُ مِن زَكَوَاتِ الناسِ فنُعْطِيَك منها.

قوله: «يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ..» أي: بيَّن له أنَّ الأصل في سؤال الناس التحريم والمنع، «إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ» أي: إنَما تحل المسألة لأحد ثلاثة.

الأصنافَ التي يَحِلُّ لها أن تسألَ الناسَ

- ثُمَّ ذكر له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأصنافَ التي يَحِلُّ لها أن تسألَ الناسَ، فقال: «رَجُلٌ تحمَّلَ حَمالَةً؛ فحَلَّتْ له المسألةُ؛ حتَّى يُصِيبَها ثُمَّ يُمْسِكُ» أي: مَن تَحمَّلَ دَينًا على نفسِه لِلإصْلاحِ بينَ الناسِ، فهذا يَطلُب منَ الناسِ المال الذي تكلفه، «حتَّى يُصيبَها»، أي: يُصِيبَ ويَأخُذَ ما تَحمَّلَه مِنَ الحَمالَةِ، فيَأخُذ مِن الصدقةِ بقَدْرِها، «ثُمَّ يُمسِكُ»، أي: يُمسِكُ ويَمتَنِعُ عن المسألةِ والطلَبِ، ويعطى من الزكاة بشرط أنْ يستدين لغير معصية.

الصِّنفُ الثاني الذي تَحِلُّ له المسألةُ

     والصِّنفُ الثاني الذي تَحِلُّ له المسألةُ قال - صلى الله عليه وسلم -: «ورَجُلٌ أصابَتْه جَائِحَةٌ» الجائِحَةُ: الآفَةُ التي تُهلِكُ الثِّمارَ والأموالَ، وتَستأصِلُها، فمَن أصابَتْه الآفةُ السَّماوِيَّةُ، واستأصَلَتْ ثِمارَه أو أموالَه، قال: «فحَلَّتْ له المسألةُ حتَّى يُصيبَ قِوَامًا مِن عَيْشٍ، أو قال: سِدَادًا من عَيْشٍ»، أي: حَلَّتْ له المسألةُ حتَّى يَحصُلَ على ما يقومُ بحاجتِه الضَّروريَّةِ، وما يتقوَّم به من العَيْشِ، والقِوَامُ والسِّدادُ: هما ما يُغنِي من الشيءِ، وما تُسَدُّ به الحاجةُ، وكلُّ شيءٍ يُسَدُّ به شيءٌ؛ فهو سِدَادٌ. وكل شيء سددت به شيئا فهو: سداد، بالكسر، ومنه: سداد الثغر والقارورة.

الصِّنفُ الثالثُ الذي تَحِلُّ له المَسْأَلةُ

- والصِّنفُ الثالثُ الذي تَحِلُّ له المَسْأَلةُ: قال - صلى الله عليه وسلم-: «ورَجُلٌ أصابَتْه فاقَةٌ» أي: أصابَه الفَقْرُ الشديدُ، واتَّضَحَ وظَهَر ذلك عليه، قال: «حتَّى يَقُومَ ثلاثةٌ مِن ذَوِي الحِجَا مِن قومِه: لقد أصابَتْ فُلانًا فاقةٌ، فحلَّتْ له المَسْألةُ» أي: حتَّى يَشْهَدَ ثلاثةٌ مِن قومِه، مِن ذَوِي الحجا، والحِجا: هو العقل، أي: يشهد له ثلاثة من أصحاب الفَهْمِ والعَقْلِ، أنه فقير محتاج.

     وقيَّدهم بِذَوِي العُقولِ؛ تنبيهًا على أنَّه يُشترَطُ في الشَّهادةِ: التيقُّظُ، فلا تُقبَلُ مِن مُغَفَّلٍ، وجعَلهم من قومِه؛ لأنَّهم أعلمُ بحالِه، فلهذا نبّه - صلى الله عليه وسلم- على هذا الشرط؛ أنهم من قومه، لأنّهم مِنْ أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يَخفى في العادة، فلا يَعلمه إلا من كان خبيراً بصاحبه، قريباً منه.

     قال النووي: «وأما اشتراط الثلاثة فقال بعض أصحابنا: هو شرط في بينة الإعسار، فلا يقبل إلا من ثلاثة؛ لظاهر هذا الحديث، وقال الجمهور: يقبل من عدلين؛ كسائر الشهادات، غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب، وهذا محمولٌ على مَنْ عُرِف له مال، فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببيِّنة، وأمَّا مَنْ لم يُعْرف له مال؛ فالقول قوله في عدم المال.

- فهؤلاءِ الأصناف الثلاثة هم الذين تَحِلُّ لهم المسألةُ، كما ورَد في هذا الحديثِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم-: «فما سِوَاهُنَّ مِنَ المسألةِ- يا قَبِيصَةُ- سُحْتًا، يَأكُلُها صاحبُها سُحْتًا» والسُّحْتُ: هو الحَرامُ الذي لا يَحِلُّ كَسْبُه؛ لأنَّه يُسحِتُ البَرَكَةَ، أي: يُذهِبُها.

وهو في الذي يَأكُله وليس له شُبهةً تَجعلُها مباحةً لنفسِه، بل يَأكُلها مِن جِهَةِ السُّحتِ والحرامِ.

وفي الحديث فوائد

1- يوضِّح جانبًا عملِيًّا مِن التربِيَةِ النبويَّةِ للمسلمين على العِفَّةِ وعِزَّةِ النفسِ، وعدمِ سؤالِ الناسِ إلَّا في الحالاتِ المُلْجئة، التي بيَّنها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للصَّحابِيِّ الذي جاء يَستَعِينُه، بعدَ أن تحمَّل على نفسِه مالاً لِيُصْلِحَ بينَ الناسِ.

2- وفيه: أنَّ المسألة حلَّتْ له، واستَحَقَّ أن يُعطَى مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّه استَدانَ لغيرِ مَعْصِيَةٍ.

3- وفيه: بيانُ أصنافِ مَن تَحِلُّ لهم المسألةُ، مع بيانِ الأسبابِ المُلجِئَةِ لذلك.

4- وفيه: أنَّ مَن أخَذَ أموالَ الناسِ بغيرِ حقٍّ، فإنَّه يَأكُلُ سُحتًا وحَرامًا، لا بركة فيه.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة