أخبار سريعة
الخميس 28 اكتوبر 2021

أبحاث و دراسات » شرح كتاب النكاح من صحيح مسلم - التَّبَتُّلِ وتَرْك مَلاذِّ الحَياةِ مِنَ الغُلُوِّ في الدِّينِ

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَال: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - على عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، ولَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا». الحديث رواه مسلم في النكاح (2/1020) في الباب نفسه، ورواه البخاري في النكاح (5073) باب: ما يُكره من التبتل والخصاء.

     قوله: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ» عثمان بن مظعون هو ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي، أبو السائب، أحد السابقين إلى الإسلام، حيثُ أسلم بعد ثلاثة عشر رجل، هو وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح، في ساعةٍ واحدة، قبل دخول النَّبي - صلى الله عليه وسلم - دار الأرْقم ليدعو فيها، وعثمان بن مظعون هو أخُو الصحابيين عبد الله وقدامة ابني مظعون، والصَّحابية زينب بنت مظعون زوجة عمر بن الخطاب، فهو خال عبد الله بن عمر وحفصة بنت عمر.

هجرته إلى الحبشة

     هاجر عثمان مع ابنه السَّائب الهجرتين إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة عندما بلغه أنَّ قريشًا أسْلمت، ودخل عثمانُ في جوار الوليد بن المغيرة ثم ردّ عليه جواره، ثم هاجر عثمان إلى المدينة، وآخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وأبي الهيثم بن التيِّهان. وقد شهد عثمان بن مظعون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة بدر، وكان عثمان بن مظعون مِنْ أشد الناس اجتهادًا في العبادة، يصوم النَّهار ويقوم الليل، ويجتنب الشَّهوات، ويعتزل النساء، واستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التَّبتل والاخْتصاء، فنهاه عن ذلك، كما كان ابن مظعون ممن حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية.

وفاته

     توفي عثمان بن مظعون في المدينة في شعبان سنة (3 هـ)، وهو أولُ المهاجرين وفاةً بالمدينة، وأول مَنْ دُفن ببقيع الغَرقد، وقد ترك من الولد عبد الرحمن والسائب، وأمهما خولة بنت حكيم السُلمية. أمّا صفته: فقد كان شديد الأدَمة، كبير اللحية عريضها، ليس بالقصير ولا بالطويل.

قوله: «ردَّ عليه التَّبتل»

     وفي رواية لمسلم: «أراد عثمانُ بن مظعون أنْ يتبتّل، فنَهاه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -»، قال الطبري: التَّبتل الذي أراده عثمان بن مظعون: تحريم النِّساء والطِّيب، وكلّ ما يلتذّ به، فلهذا أنْزل في حقِّهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} (المائدة: 87).

المراد بالتّبتل

     قال الحافظ ابن حجر: المراد بالتّبتل هنا: الانْقطاع عن النّكاح، وما يَتبعه منَ الملاذّ، إلى العبادة، وأمَّا المأمور به في قوله -تعالى-: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} المزمل: 8، فقد فسَّره مجاهد فقال: أخْلِصْ له إخلاصًا، وهو تفسير معنى، وإلا فأصلُ التَّبتل: الانقطاع، والمعنى: انقطع إليه انقطاعًا، لكنْ لمَّا كانت حقيقة الانقطاع إلى الله، إنِّما تقع بإخْلاصِ العبادة له، فسَّرها بذلك، قال: والذي يُكره مِنَ التَّبتل، هو الذي يُفْضي إلى التَّنطع، وتحريم ما أحلَّ الله، وليس التَّبتل مِنْ أصْله مكروهًا». الفتح (9 /118).

     وقال ابن كثير -رحمه الله-: وقوله: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} (المزمل: 8)، أي: أكْثِر من ذِكْره وانقطع إليه، وتفرَّغ لعبادته إذا فرغتَ مِنْ أشغالك، وما تحتاج إليه منْ أمُور دنياك، كما قال: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} (الشرح: 7)، أي: إذا فرغتَ منْ مهامّك؛ فانصبْ في طاعته وعبادته؛ لتكونَ فارغ البال. انتهى

قوله: «ولو أذِنَ له لاخْتَصَينا»

     كان هذا قبل النَّهي عن الاخْتصاء، قال الحافظ: «ويُؤيده تواردُ استئذان جماعة من الصَّحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك؛ كأبي هريرة وابن مسعود وغيرهما، وإنَّما كان التَّعبير بالخِصاء، أبلغ منَ التعبير بالتَّبتل؛ لأنَّ وجُود الآلة يقتضي اسْتمرار وجُود الشَّهوة، ووجُود الشهوة يُنافي المراد مِنَ التَّبتل، فيتعيَّن الخِصاء طريقًا إلى تحصيل المطلوب، وغايته أنَّ فيه ألمًا عظيمًا في العاجل، يُغتفر في جنب ما يندفع به في الآجل؟ فهو كقطع الأصْبع إذا وقعت في اليد الأكلة، صيانة لبقية اليد، وليس الهلاك بالخِصاء مُحقّقًا، بل هو نادر، ويشهد له كثرة وجوده في البهائم مع بقائها، وعلى هذا فلعل الراوي عبر بالخِصاء عن الجَبّ؛ لأنه هو الذي يحصل المقصود».

ما ذَكره الحافظ عن الصحابة

     وما ذَكره الحافظ عن الصحابة؛ ورد في الصحيح: فعن عبداللَّهِ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وليْسَ لنا شَيْءٌ، فقُلْنا: أَلاَ نَسْتَخْصِي؟ «فَنَهَانا عَنْ ذلِك، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ المَرْأَةَ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ قَرَأَ علَينا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} (المائدة: 87). رواه البخاري.

     وروى أيضاً: عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، وأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي العَنَتَ، ولاَ أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاء، فسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ: مِثْلَ ذلِك، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ: مِثْلَ ذَلك، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِك، فَقَال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «يا أَبَا هُرَيْرَةَ؛ جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاَقٍ، فَاخْتَصِ على ذلِك أَوْ ذَرْ»، قال الحافظ: «والحِكمة في مَنْعهم من الاخْتصاء: إرادة تكثير النَّسل؛ ليَستمرَّ جهادُ الكفار، وإلا لو أذنَ في ذلك، لأوشكَ تواردهم عليه، فيَنْقطع النَّسل، فيقلُّ المُسْلمون بانْقطاعه، ويَكثُر الكفَّار، فهو خلافُ المقصود منَ البعثة المُحمَّدية.

     قال: وفيه أيضًا مِنَ المفاسد: تعذيبُ النَّفس والتَّشويه، مع إدْخال الضَّرر الذي قد يُفْضي إلى الهلاك، وفيه إبْطال معنى الرُّجُولية، وتغيير خَلْق الله، وكفْر النِّعمة؛ لأنَّ خلقَ الشخص رجلًا مِنَ النِّعم العظيمة، فإذا أزالَ ذلك؛ فقد تشبَّه بالمرأة، واختار النَّقص على الكمال؟! وقال: والنَّهي عن الخِصَاء؛ نهيُ تحريمٍ في بني آدم بلا خلاف. اهـ فتح الباري: (9 /118).

وقال القرطبي: الخِصاء في غيرِ بني آدم ممنوع في الحيوان، إلا لمنفعةٍ حاصلة في ذلك، كتطييب اللحم، أو قطع ضررٍ عنه.

فوائد الحديث

1- الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ تراعي حاجاتِ النَّفسِ الإنْسانيَّةَ، التي فطر الله -تعالى- الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، بما يَتوافَقُ مع طَلبِ الآخرةِ، مِن غيْرِ إفْراطٍ ولا تفريط.

2- التَّبَتُّلُ والانقطاعُ عن النِّكاحِ، واعتزالُ النِّساءِ، وتَرْك مَلاذِّ الحَياةِ، والانقِطاع للعِبادةِ، مِنَ الغُلُوِّ في الدِّينِ، والرَّهبانيَّةِ المَذمومةِ.

وأما حديث: «لا رَهبانية في الإسْلام»، فقال ابن حجر: لم أرْه بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقاص عند البيهقي: «إنَّ الله أبْدلنا بالرَّهبانية الحَنيفيّة السَّمحة». (كشف الخفا).

3- وفيه: أنّ الاختصاء مِنَ الاعتداء الذي حرّمه الله -تعالى-، وأعْضاء الإنْسان ليست ملكاً له حتى يتصرَّف فيها بما يشاء.

4- التصوف البدعي أعاد مفهوم الرهبنة السابق إلى الأمة الإسلامية، ودعا إلى الخلوات المظلمة، وإلى الهروب عن الناس، وترك التزوج، ودعا إلى تطهير الروح عن طريق تعذيب الجسد؟ بأنواع من المجاهدات الشاقة القاتلة، وإلى لبس الصوف الخشن من الثياب، وتجويع النفس لتطهيرها، والسَّياحة في البلاد.

ولذلك فالمتصوفة كانوا يتتبعون مواعظ الرهبان، وأخبار رياضاتهم الروحية، حتى يقتدوا بهم في سلوكهم، وكتب المتصوفة مليئة بقصص كثيرة مروية عن رهبان النصارى!

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة