أخبار سريعة
الخميس 28 اكتوبر 2021

أبحاث و دراسات » شرح كتاب النكاح من صحيح مسلم - باب: لَا يَخْطُب عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

 

عن عبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ - رضي الله عنه - على المِنْبَرِ يَقُول: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَال: «الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، ولَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ؛ حَتَّى يَذَرَ».  أخرجه مسلم في كتاب النكاح (2/1034) باب: تحريم الخِطْبة على خِطبة أخيه حتى يأذن أو يترك. وأخرجه البخاري من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-، في النكاح (5142) باب: لا يخطب على خِطبة أخيه حتى ينكح أو يَدَع.-

 

قوله: «الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ»

     كما قال -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات: 10). فقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) هذا عقدٌ عَقَده اللهُ بين المؤمنين؛ إذْ يَجْمعهم أصلٌ واحدٌ وهو الإِيمان، كما يجمع الإِخوة أصلٌ واحد وهو النَّسَب، وكما أنَّ أخوة النَّسب داعيةٌ إلى التواصل والتراحم والتناصر في جلب الخير، ودفع الشر، فكذلك الأخوة في الدِّين تدعوكم إلى التعاطف والتَّصالح، والتآلف والتناصح، فإذا وُجد شخصٌ مؤمن، في مشرق الأرض أو مغربها، فإنه أخٌ للمؤمنين، أخوة تُوجب أنْ يُحبّ له المؤمنون ما يُحبّون لأنفسِهم، ويَكرهون له، ما يكرهون لأنفسهم، ويسعون في الخير له، ودفع الشرّ عنه.

وقال -سبحانه- أيضاً: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (التوبة:71). قال الطبري: وهم المُصدّقون بالله ورسوله، وآيات كتابه؛ فإنّ صفتهم: أنّ بعضَهم أنصارُ بعضٍ وأعوانهم اهـ.

     ولهذا قال النّبي - صلى الله عليه وسلم - آمرًا بحقوق الأخوة الإيمانية، ومُوجهاً لها: «لا تَحاسدوا، ولا تَنَاجشوا، ولا تباغضوا، ولا يبعْ أحدُكم على بيعِ بعض، وكونُوا عبادَ الله إخْوانًا، المُؤمنُ أخو المُؤمن، لا يَظْلمه، ولا يَخْذله، ولا يَحْقره». رواه مسلم.

-وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضاً: «مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتَراحمهم وتعاطفهم، مثل الجَسَد، إذا اشْتكى منه عُضوٌ؛ تدَاعى له سائرُ الجسدِ بالسَّهر والحُمّى». متفق عليه.

قوله: «فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ»

وقال الثوري: هو أنْ يقول: عندي ما هو خير منه.

     وقال ابن عبد البر: وهو أنْ يَسْتحسنَ المُشْتري السلعة ويهواها، ويَركن إلى البائع ويَميل إليه، ويتذاكران الثَّمن، ولم يبقَ إلا العقد والرضى الذي يتم به البيع، فإذا كان البائع والمشتري على مثل هذه الحال، لمْ يَجز لأحدٍ أنْ يعترضه، فيَعْرض على أحدهما ما به يفسد به ما هما عليه مِنَ التبايع، فإنْ فعلَ أحدٌ ذلك؛ فقد أساءَ وبئسما فعل، فإنْ كان عالماً بالنهي عن ذلك، فهو عاصٍ لله. انتهى

- وقال الشافعي: قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يبع بعضكم على بيع بعض» معناه أنْ يبتاع الرجلُ السلعة فيَقبضها، ولم يَفْترقا، وهو مُغتبطٌ بها غير نادمٍ عليها، فيأتيه قبل الافْتراق مَنْ يَعرض عليه مثل سِلعته، أو خيراً منها بأقلّ من ذلك الثمن، فيَفسخ بيع صاحبه; لأنَّ له الخيار قبل التفرّق فيكون هذا فسادا.

وسيأتي مزيد من شرحه في كتاب البيوع إن شاء الله -تعالى.

قوله: «ولَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ؛ حَتَّى يَذَرَ»

 وفي رواية ابن عمر: «حتى يَترك الخاطب فيه أو يأذن له الخاطب». «الخِطبة» بكسر الخاء هي خِطبة المرأة، وهي طلبها من وليها، وأما «الخُطبة» بضمها، فهي في الجمعة والعيد والحج وغير ذلك، وكذا بين يدي عقد النكاح.

     ونَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَخطُبَ الرَّجلُ على خِطبَةِ أخيهِ المسلمِ، صُورتُه: أنْ يَخطُبَ رجلٌ امرأةً وتُظهِرُ الرِّضا، ويَتَّفِقا على مَهْرٍ، ولم يَبْقَ إلَّا العَقدُ، فَيأتي آخَرُ يَخطُبُها، ويَزيدُ في المَهرِ أو غيرِ ذلك مِن وَسائلِ الإغراءِ، لتترك الأول.

- قال النووي -رحمه الله-: هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم الخطبة على خطبة أخيه، وأجْمعوا على تحريمها إذا كان قد صرّح للخاطب بالإجابة، ولم يأذَن، ولم يترك، فلو خطب على خطبته، وتزوج والحال هذه عصى، وصحَّ النكاح، ولم يفسخ، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال داود: يفسخ النكاح. وعن مالك روايتان كالمذهبين، وقال جماعة من أصحاب مالك: يفسخ قبل الدخول لا بعده.

التعريض وعدم التصريح

     أمَّا إذا عَرّض له بالإجابة ولم يصرح؛ ففي تحريم الخِطبة على خطبته قولان للشافعي: أصحّهما لا يحرم. وقال بعض المالكية: لا يحرم حتى يرضوا بالزوج، ويُسمي المَهر، واستدلوا لما ذكرناه من أنَّ التحريم إنّما هو إذا حصلت الإجابة بحديث فاطمة بنت قيس، فإنّها قالت: خطبني أبو جهم ومعاوية، فلم يُنْكر النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبة بعضهم على بعض، بل خطبها لأسامة.

وقد يعترض على هذا الدليل فيُقال: لعلّ الثاني لم يَعلم بخِطبة الأول، وأمَّا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأشار بأسامة لا أنَّه خطب له.

إذا تَرَك الخِطبة رغبةً عنها جازت

     واتفقوا على أنّه إذا تَرَك الخِطبة رغبةً عنها، وأذِن فيها، جازت الخِطبة على خِطبته، وقد صرَّح بذلك في الحديث بقوله: «حتى يَذَر»، قال الحافظ: واستدلّ به على أنّ الخاطب الأول إذا أذِن للخاطب الثاني في التزويج، ارتفع التَّحريم، ولكنْ هل يختصّ ذلك بالمَأذون له، أو يتعدَّى لغيره؛ لأنَّ مجرد الإذن الصادر منَ الخاطب الأول دالٌ على إعْراضه عن تزويج تلك المرأة، وبإعْراضه يجوز لغيره أنْ يخطبها، فيكون الجواز للمأذون له بالتَّنصيص، ولغير المأذون له بالإلْحاق، ويُؤيده قوله في الحديث الثاني: «أو يترك».

لا تجوز الخطبة حتى يُرد الأول

ولو أنك سمعت أنّ شخصاً خَطب امرأة، ولا تدري هل رُدَّ أم لم يُرد؟ فهل يجوز أنْ تخطب؟ ظاهر الحديث أنّه لا يجوز، حتى تعلم أنّه رُدّ.

- وصرح الروياني من الشافعية: بأنَّ محلّ التَّحريم إذا كانت الخِطبة مِنَ الأول جائزة، فإنْ كانتْ ممنوعة كخِطبة المُعْتدَّة، لم يَضرّ الثاني بعد انقضاء العِدّة أنْ يخطبها، وهو واضح؛ لأنَّ الأول لمْ يثبت له بذلك حَق.

- ويَشمل هذا المَنع النّساء أيضاً، لأنّ العلة واحدة، وهي العدوان على حق الآخر، قال النووي: واستدل به على تَحريم خِطبة المَرأة على خِطبة امرأةٍ أخرى، إلحاقًا لحُكم النِّساء بحُكم الرجال، وصُورته: أنْ ترغبَ امرأةٌ في رجلٍ، وتدعوه إلى تزويجها فيُجيبُها، فتجيء امرأةٌ أخرى؛ فتدعوه وتُرغِّبه في نفْسها، وتزهّده في التي قَبْلها، وقد صرَّحوا باستحباب خطبة أهل الفضل من الرجال، ولا يَخفى أنَّ محل هذا إذا كان المَخْطوب عَزَم ألا يتزوج إلا بواحدة، فأمّا إذا جمع بينهما فلا تحريم. الفتاوى الكبرى (5/ 520).

- وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «على خِطبة أخيه» قال الخطابي وغيره: ظاهره اخْتصاص التحريم بما إذا كان الخاطبُ مُسلما، فإنْ كان كافراً فلا تَحريم، وبه قال الأوزاعي.

حكم الخطبة على خطبة الكافر

     وقال جمهور العلماء: تحرمُ الخِطبة على خِطبة الكافر أيضاً، ولهم أنْ يجيبوا عن الحديث: بأنَّ التقييد بأخيه، خَرج على الغالب، فلا يكون له مفهوم يُعمل به، كما في قوله -تعالى-: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} (الإسراء: 31). وقوله -تعالى-: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ} (النساء: 23)، ونظائره.

والذي تقتضيه الأحاديث وعمومها: أنّه لا فرق بين الخاطب الفاسق وغيره. وقال ابن القاسم المالكي: تجوز الخِطبة على خطبة الفاسق.

- وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: من فوائد هذا الحديث: أنّه يجوزُ للإنسان أنْ يخِطب على خِطبة الذِّمي والحربي، ولكنْ لو سألنا سائلٌ: كيف يتصوَّر أنْ يخطب على خِطبة الذِّمي والحربي؟ لأنَّ الذِّمي والحربي لا يمكن أنْ يتزوجا مسلمة؟ فالجواب: أنَّ المسلمَ يجوز أنْ يتزوج امرأةً نصرانية أو امرأة يهودية، فإذا أراد إنسانٌ مِنَ المسلمين أنْ يخطب امرأةً يهودية مثلاً، وعلم أنَّه خَطبها رجلٌ يهودي، فظاهر الحديث «على خِطبة أخيه» أنّه يجوز أنْ يخطب على خِطبة اليهودي؛ لأنَّ اليهودي ليس أخاً له، وكذلك لو كان الخاطبُ نصرانياً، فيجوز أنْ تخطب، ولكن بعض أهل العلم يقول: إنَّ هذا حرام، ولا يجوز أنْ يخِطب على خِطبة اليهودي ولا النَّصراني إذا كان لهما ذمّة، أمّا إنْ كانا حَربيين؛ فليس لهما حقّ، لكن إذا كان لهما ذمّة فلهما الحقّ، ولهذا جاءت أحاديثُ متعدّدة؛ في عدمِ جَواز الاعتداء على حُقُوق أهل الذمة اهـ (شرح كتاب النكاح منْ بلوغ المرام).

ما يستفاد من هذا الحديث

1- أنَّ الشريعة الإسلامية تراعي كثيراً وجود المحبّة والمودة والألفة بين المؤمنين، ولذا منعت بَعضِ أنواعِ المُعاملاتِ، الَّتي مِن شَأنها أنْ تُؤدِّيَ لِوُقوعِ الخِلافِ والتَّباغضِ بيْن المسلِمينَ، بسبب الظلم والعدوان والغشِّ.

2- ومن ذلك: أنه نَهى - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبيعَ الرَّجلُ على بَيعِ أَخيه.

 3- أنَّ الشَّرعُ قَدْ نظَّمَ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشَّراءِ، والنكاح والميراث وغيرها، وأَوضَح أمورًا لا بُدَّ منها، وحدَّ حُدوداً لا يجوز تعديها، حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم، وحتى تَتِمَّ الصَّفقاتُ والتعاملات بيْنهم، وهي خاليةٌ مِن الجَهالةِ أو الخِداعِ أو الحُرْمةِ.

 

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة