أخبار سريعة
الإثنين 06 ديسمبر 2021

أبحاث و دراسات » شرح كتاب النكاح من صحيح مسلم - باب: اسْتئمار الأيّم والبِكر في النِّكاح

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة


عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، ولَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ»، قَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَال: «أَنْ تَسْكُتَ»، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَال: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِها مِنْ وَلِيِّهَا، والْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»، الحديثان رواهما مسلم في النكاح (2/1036-1037) باب: استئذان الثيّب في النكاح بالنُّطق، والبكر بالسُّكوت، ورواه البخاري في النكاح (9/191) باب: لا ينكح الأب وغيره البكر والثيّب إلا برضاها.

     قوله: «لا تُنْكح الأيم» (تُنكح)، قال الحافظ: بكسْر الحاء للنَّهي، وبرفعها للخَبَر، وهو أبلغُ في المنع، والأيِّمُ هي المَرأةُ الَّتي سبَقَ لها الزَّواجُ، وقال القاضي: اختلف العلماء في المُراد بالأيم هنا، مع اتفاق أهل اللغة على أنَّها تُطْلق على امرأة لا زوجَ لها، صغيرةً كانت أو كبيرة، بكراً كانت أو ثيّبا، قاله إبراهيم الحربي وإسماعيل القاضي وغيرهما. والأيمة في اللغة: العُزوبة، ورجلٌ أيم وامرأة أيم انتهى، والمقصود في الحديث الذي يدل عليه السياق: الثيّب.

قوله: «حتى تسْتأمر»

أصلُ الاستئمار: طلبُ الأمر، فالمعنى: لا يُعقد عليها حتى يُطْلب الأمرُ منْها، ويؤخذ من قوله «تُستأمر» أنَّه لا يُعقد إلا بعد أنْ تأمر بذلك، وليس فيه دلالةٌ على عدم اشْتراط الوليّ في حقِّها، بل فيه إشْعار باشتراطه، وسيأتي الكلام فيه.

قوله: «ولا تنْكح البكر حتى تُسْتأذن»

     والبِكرُ هي المرأةُ الَّتي لم يَسبِقْ له الزَّواجُ، قال الحافظ ابن حجر: كذا وقع في هذه الرواية التَّفْرقة بين الثيّب والبكر، فعبّر للثيّب بالاسْتئمار، وللبكر بالاسْتئذان، فيُؤخذ منه فرقٌ بينهما، مِنْ جِهة أنَّ الاسْتئمار يدلُّ على تأكيد المُشَاورة، وجعل الأمر إلى المُسْتأمرة، ولهذا يحتاج الولي إلى صريح إذْنها في العَقد، فإذا صرَّحت بمَنْعه؛ امتنع اتفاقًا، والبِكر بخلاف ذلك، والإذْن دائرٌ بين القولِ والسُّكوت، بخلاف الأمر، فإنَّه صَريحٌ في القول، وإنما جُعِل السُّكوت إذنًا في حقِّ البكر؛ لأنها قد تستحيي أنْ تُفْصح.

     وقال: الثيِّب البالغ لا يزوِّجها الأبُ ولا غيرُه إلا برضاها، اتفاقًا إلا مَنْ شَذَّ، والبِكْر الصغيرة يزوِّجُها أبوها، اتفاقًا إلا مَنْ شَذَّ، والثيِّب غير البالغ اختُلفَ فيها، فقال مالك وأبو حنيفة: يزوِّجها أبوها كما يزوِّج البِكر، والحديث دالٌ على أنه لا إجبارَ للأب عليها إذا امْتنعت، وحكاه الترمذي عنْ أكثر أهل العلم انتهى.

كيف إذْنها؟

     قوله: «قالوا: يا رسول الله، كيف إذْنها؟ قال: «أنْ تَسْكت» وفي حديث عائشة قلت: أنَّ البكر تَستحيي، قال: «رضاها صَمْتها»، وعند مسلم: «والبِكرُ يَسْتأذنها أبوها في نفْسِها»، قال ابن المنذر: يُستحب إعْلام البكر أنّ سكوتها إذْن، لكن لو قالت بعد العقد: ما علمتُ أنَّ صَمْتي إذن؛ لم يَبْطُل العقد بذلك عند الجمهور، وأبطله بعض المالكية.

     قال النووي: ومذهبنا ومذهب الجمهور أنّه لا يشترط إعْلام البكر بأنَّ سُكوتها إذْن، وشرطه بعض المالكية، واتفق أصحاب مالك على استحبابه. انتهى، وقال الحافظ: وخصّ بعض الشافعية الاكتفاء بسُكوت البكر البالغ؛ بالنّسبة إلى الأب والجدّ دون غيرهما؛ لأنّها تستحيي منْهما أكثر منْ غيرهما، والصحيح الذي عليه الجمهور: اسْتعمال الحديث في جميع الأبْكار، بالنِّسبة لجميع الأولياء. قال: واستُدل به على أنّ البكر إذا أعلنتْ بالمَنْع، لمْ يَجز النكاح، وإنْ أعْلنت بالرّضا، فيجوز بطريق الأولى. انتهى.

     وقد بوب البخاري في صحيحه فقال: باب إنْكاح الرجل ولده الصغار؛ لقوله تعالى: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} (الطلاق: 4)، فجعل عدّتها ثلاثة أشْهر قبل البلوغ، وساق حديث عائشة -رضي الله عنها- أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوَّجها وهي بنتُ ست سنين، وأُدْخلت عليه وهي بنتُ تسع، ومكثت عنده تسعًا. انتهى. قال المهلب: أجْمعوا أنَّه يجوزُ للأب تزويج ابنته الصغيرة البِكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها.

ينعقد النكاح بما عدّه الناس نكاحًاً

     وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وينعقد النكاح بما عدّه الناس نكاحًاً، بأيّ لغةٍ ولفظٍ وفعلٍ كان، ومثله كلّ عقد، والشَّرط بين الناس ما عدُّوه شَرطًا، نصَّ الأمام أحمد في رواية أبي طالب: في رجلٍ مَشَى إليه قومه، فقالوا: زوِّج فلانًا، فقال: زوَّجتُه على ألف، فرجعوا إلى الزَّوج فأخبروه، فقال: قد قَبِلت، هل يكون هذا نكاحًا؟ قال: نعم. قال: والجد كالأب في الإجْبار، وهو رواية عن الإمام أحمد، وليس للأب إجبار بنت التِّسع؛ بكرًا كانت أو ثيبًا، وهو رواية عن أحمد اختارها أبو بكر، ورضا الثيّب الكلام، والبكر الصِّمات، قال: وإذا تعذَّر مَنْ له ولاية النكاح، انتقلت الولاية إلى أصْلح مَنْ يوجد ممَّن له نوعُ ولاية في غير النكاح، كرئيس القَرْية، وهو المراد بالدِّهْقان وأمير القافلة ونحوه، قال الإمام أحمد في رواية المروزي: في البلد يكون فيه الوالي، وليس فيه قاض يُزوّج إذا احتاط للمرأة في المَهْر، أرجُو ألا يكون به بأس. قال: وتزويجُ الأيامى فرضُ كفاية إجماعًا... «الاختيارات الفقهية» (1/ 530).

«الْأَيِّمُ أحق بنفسها»

     وقوله - صلى الله عليه وسلم - «الْأَيِّمُ أحق بنفسها» يحتمل من حيث اللفظ أنَّ المراد أحق من وليها في كلّ شيء، من عقد وغيره، كما قال أبو حنيفة وداود، ويحتمل أنَّها أحقّ بالرِّضا، أي: لا تُزوّج حتى تنطق بالإذن، بخلاف البِكر، ولكنْ لمَّا صح قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نِكاحَ إلا بولي»، مع غيره من الأحاديث الدالّة على اشتراط الولي، تعيَّن الاحتمال الثاني. قاله النووي.

اشتراط الولي في صحة النكاح

     قال: واختلف العلماء في اشتراط الولي في صحة النكاح: فقال مالك والشافعي: يُشترط، ولا يصح نكاح إلا بولي، وقال أبو حنيفة: لا يُشْترط في الثيّب، ولا في البكر البالغة، بل لها أنْ تُزوج نفسها بغير إذن وليها، وقال أبو ثور: يجوز أن تزوج نفسها بإذن وليها، ولا يجوز بغير إذنه. وقال داود: يشترط الولي في تزويج البكر دون الثيب، واحتج مالك والشافعي بالحديث المشهور» لا نكاحَ إلا بولي» وهذا يقتضي نفي الصحة.

     واحتج أبو ثور بالحديث المشهور: «أيُّما امرأةٍ نَكَحَت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطلٌ». ولأنَّ الولي إنما يراد ليختار كفؤا لدفع العار، وذلك يحصل بإذنه.قال العلماء: ناقض داود مذهبه في شَرْط الولي في البكر دون الثيب؛ لأنه إحداثُ قولٍ في مسألةٍ مختلف فيها، ولم يسبق إليه، ومذهبه أنه لا يجوز إحْداث مثل هذا. والله أعلم.

مسألة النكاح بغير ولي

لا يَصِحُّ النِّكاحُ من دونِ وليٍّ للمَرأةِ، وهو مَذهَبُ جمهورِ أهل العلم من المالِكيَّةِ، والشَّافِعيَّةِ، والحَنابِلةِ، وبه قال كَثيرٌ مِن السَّلَفِ، وحُكِيَ عن الصَّحابةِ عَدَمُ الخِلافِ في ذلك، والأدِلَّةُ في ذلك متضافرة من الكتاب والسُّنة:

أدلة القرآن الكريم

     فقد قال -تعالى-: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} (البقرة: 232)، ووَجهُ الدَّلالةِ: أنَّ قوله (تَعْضُلُوهُنَّ) أي: تمنَعوهنَّ، وهذا يدُلُّ على أنَّها لا تتزوَّجُ إلَّا بوليٍّ، وإلَّا لكان العَضلُ وعَدَمُه سَواءً، وقال -تعالى-: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} (البقرة: 221). والخطاب للأولياء، ومثلها قول الله -تعالى-: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} (النساء: 25)، وقوله -تعالى-: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (النور: 32).

وجهُ الدَّلالةِ مِن الآياتِ

     أنَّ الخِطاب في هذه الآياتِ إلى الأولياءِ الذُّكورِ، ولو كان إلى النِّساءِ لذَكَرهُنَّ، ولو لم يُعتبَرْ وُجودُ الوليِّ مِن الرِّجالِ؛ لَما كان لِتَوجيهِ الخِطابِ إليه فائِدةٌ، ولَمَا كان لِعَضْلِه معنًى، ثمَّ إنَّه لو كان لها أن تُزوِّجَ نَفسَها لم تحتَجْ إلى وليِّها، انظر (تفسير القرطبي) (3/164)، و(فتح الباري) لابن حجر (9/187).

الأدلة مِنَ السُّنَّة النّبويّة

     فعن أبي موسى -رَضِيَ اللهُ عنه-، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ». أخرجه أبو داود (2085)، والترمذي (1101)، وابن ماجة (1881)، وأحمد (19518) وصححه كما في كشف القناع، وعن عائِشةَ -رَضِيَ اللهُ عنها-: أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيُّما امرأةٍ نَكَحَت بغيرِ إذنِ وَلِيِّها فنِكاحُها باطِلٌ، فنِكاحُها باطِلٌ، فنِكاحُها باطِلٌ، فإنْ دخَلَ بها فلها المَهرُ بما استحَلَّ مِن فَرجِها، فإن اشتَجَروا فالسُّلطانُ وَليُّ مَن لا وليَّ له». أخرجه الترمذي (1102) واللفظ له، والنسائي في «السنن الكبرى» (5394)، وابن ماجة (1879)، وأحمد (24205)، وعن الحَسَنِ في قوله -تعالى-: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} (البقرة: 232). قال: حدَّثني مَعقِلُ بنُ يَسارٍ - رضي الله عنه - أنَّها نزَلَت فيه، قال: زوَّجتُ أُختًا لي مِن رجُلٍ فطَلَّقَها، حتى إذا انقَضَت عِدَّتُها جاء يَخطُبُها، فقلتُ له: زوَّجتُك وفَرَشْتُك وأكرَمتُك، فطَلَّقْتَها، ثم جِئتَ تَخطُبُها؟! لا واللهِ لا تعودُ إليك أبدًا. وكان رَجُلًا لا بأسَ به، وكانت المرأةُ تريدُ أن ترجِعَ إليه، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) البقرة: 232، فقُلتُ: الآن أفعَلُ يا رَسولَ اللهِ. قال: فزوَّجَها إيَّاه. أخرجه البخاري (5130).

     فدلَّ الحديثُ على أنَّه يُشتَرَطُ الوليُّ في النِّكاحِ، ولو لم يكُنْ شَرطًا لكانت رَغبةُ الرَّجُلِ في زوجتِه ورَغبتُها فيه كافيةً، وولي المرأة هو: أبوها، ثم أبوه، ثم ابنها ثم ابنه (إن كان لها ولد)، ثم أخوها لأبيها وأمها، ثم أخوها لأبيها فقط، ثم أبناؤهما، ثم العُمومة، ثم أبناؤهم، ثم عمومة الأب، ثم السلطان والقاضي.

فوائد الحديث

وفي الحَديثِ فوائد منها:

(1) احترامُ الإسلامِ لِلمرأةِ، وتَقْديرُه لِرأيِها.

(2) وفيه: أنَّ الشّريعة المطهّرة تفرِّق في حقّ المرأة فيما يختصُّ بمالها؛ فالمرأة فيه كالرجل، ما دامت بالغةً رشيدة، فلها التَّصرف في مالها كما تشاء، ما دام في المباح، وبين ما يختص بالنِّكاح؛ فجعلت أمرَ نكاحها بيد وليها، فلا يجوز لها أنْ تتصرّف فيه إلا من خلال الولي.

     وأيضا: فإن المرأة سريعة التأثر بالعواطف، وعادة ما تغلب عاطفتُها عقلَها، وسرعان ما تغترّ بالظواهر دون النظر في بواطن الأمور ومآلاتها، فلو تُرك لها أهلية عقد الزواج، لسارعت إلى تزويج نفْسها للكفؤ أو غيره، وللصَّالح أو الفاسد، هكذا بادي الرأي ودون تمهلٍ أو روية أو نظر، وهذا فيه مِنَ الفساد لها ولمجتمعها ما فيه.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة