أخبار سريعة
الثلاثاء 18 يناير 2022

أبحاث و دراسات » شرح كتاب النكاح من صحيح مسلم - باب: النَّهي عن نكاح المُحْرِم وخُطبته

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة


عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَحْضُرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِّ، فَقَال أَبَانُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، ولَا يُنْكَحُ، ولَا يَخْطُبُ»، الحديث رواه مسلم في النكاح (2/1030) باب: تحريم نكاح المُحْرم، وكراهة خِطبته.

     قوله: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ؛ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ» ذكر الزَّبير بن بكار أنَّ هذه البنت تسمى: أمة الحميد، وقوله: «فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَحْضُرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِّ» أبان بن عثمان هو ابن عفان الأموي، إمام تابعي مدني، وأحد رواة الحديث النبوي، ووالي المدينة بين سنتي (75 هـ-82 هـ) في خلافة عبد الملك بن مروان، وأول من روى أحاديث في السيرة النبوية، وحدّث بها. توفي (سنة 105 هـ).

     قوله: «لا يَنْكح» أي: لا يَتَزوج هو، حال إحرامه حتى يحلّ، بفتح الكاف أي: لا يُزوِّجه غيره، وبكسرها أي: لا يُزوج غيره، أي لا يكون ولياً، والمشهور أنّها بضم الياء وفتح الكاف. ورواه ابن حبان بلفظ: «لا يَنْكِحُ المحرِمُ، ولا يُنكِحُ، ولا يَخطِبُ، ولا يُخطَبُ عليه»، قال النووي: وأمّا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يُنكح» فمعناه لا يُزوّج امرأة بولاية ولا وكالة. قال العلماء: سببه أنّه لمَّا مُنِع في مدة الإحْرام مِنَ العقد لنَفْسه، صار كالمَرأة، فلا يعقد لنفسه ولا لغيره. وظاهر هذا العُموم أنّه لا فرق بين أنْ يُزوج بولايةٍ خاصّة؛ كالأب والأخ والعمّ ونحوهم، أو بولايةٍ عامّة وهو السُّلطان والقاضي ونائبه، وهذا هو الصحيح عندنا، وبه قال جمهور أصْحابنا. وقال بعض أصحابنا: يجوز أنْ يزوج المُحْرم بالولاية العامة؛ لأنّها يستفاد بها ما لا يستفاد بالخاصة، ولهذا يجوز للمُسْلم تزويج الذميَّة بالولاية العامة، دون الخاصة.

النَّهي عن النِّكاح في حال الإحْرام

     ثم قال: واعلم أنَّ النَّهيَ عن النِّكاح والإنْكاح في حال الإحْرام نهيُ تحريم، فلو عَقَد لم ينْعقد، سواء كان المُحْرم هو الزَّوج والزوجة، أو العاقد لهما بولايةٍ أو وكالة، فالنّكاح باطل في كلِّ ذلك، حتى لو كان الزوجان والولي محلين، ووكل الولي أو الزوج مُحْرِما في العقد لم ينعقد.

     قال: وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يَخطب» فهو نهي تنزيه ليس بحَرام، وكذلك يُكره للمحرم أنْ يكون شاهداً في نكاح عقده المحلون. وقال بعض أصحابنا: لا ينعقد بشهادته؛ لأنَّ الشاهد ركنٌ في عقد النكاح كالولي. والصحيح الذي عليه الجمهور انعقاده. انتهى

نهيُ تنزيه ليس بحَرام

     قلت: وأما قول النووي: «ولا يخطب» فهو نهيُ تنزيه ليس بحَرام»، فقولٌ مرجوح، ولا يظهر الفرق بين هذه الممنوعات حال الإحرام، فالنبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الجميعِ نهيًا واحدًا ولم يُفَصِّلْ، وموجِبُ النَّهيِ التحريمُ، وليس عندنا ما يعارِضُ ذلك مِنْ أثَرٍ ولا نظَرٍ.

- ثانيا: أنَّ الخِطبةَ مُقَدِّمةُ النِّكاحِ وسببٌ إليه، كما أنَّ العقدَ سببٌ للوطءِ، والشَّرْعُ قد منع من ذلك كلِّه؛ حسمًا للمادَّةِ.

- ثالثا: أنَّ الخِطبةَ كلامٌ في النِّكاحِ وذِكْرٌ له، وربَّما طال فيه الكلامُ، وحصل بها أنواعٌ مِن ذِكْرِ النِّساءِ، والمُحْرِمُ ممنوعٌ من ذلك كلِّه.

فالصحيح: أنَّه تَحْرُمُ خِطبَةُ المُحْرِمِ، وهو مذْهبُ المالِكِيَّة، واختيارُ ابنِ حَزْم، وابنِ تيميَّة، والصنعانيِّ، والشِّنْقيطيِّ، وابنِ باز، وابنِ عُثيمين -رحمهم الله.

مَسْألةٌ مهمة

ومن المسائل المهمة في هذا الباب وهي الشَّهادةُ على عَقْدِ النِّكاحِ: فلا تأثيرَ للإحرامِ على الشَّهادةِ على عقْدِ النِّكاحِ، وأنَّ الشَّاهِدَ لا يدخُلُ في الحديث.

- قال النووي: ذكر مسلم الاختلاف أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو مُحْرم، أو وهو حَلال، فاختلف العلماء بسبب ذلك في نكاح المُحرم، فقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم، واعتمدوا أحاديث الباب. وقال أبو حنيفة والكوفيون: يصح نكاحه لحديث قصة ميمونة، وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة أصحها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنَّما تزوجها حلالاً، هكذا رواه أكثر الصحابة.

- قال القاضي وغيره: ولم يَرو أنَّه تزوجها مُحْرماً إلا ابنُ عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع وغيرهما: أنَّه تزوجها حلالاً، وهم أعرف بالقضية لتعلّقهم به، بخلاف ابن عباس؛ ولأنهم أضْبط من ابن عباس وأكثر.

- الجواب الثاني: تأويل حديث ابن عباس: على أنه تزوجها في الحَرَم وهو حلال، ويقال لمن هو في الحَرَم محرم، وإنْ كان حلالاً، وهي لغة شائعة معروفة، ومنه البيت المشهور: قتلوا ابن عفان الخليفة مُحْرماً. أي: في حَرَم المدينة.

- والثالث: أنّه تعارض القول والفعل، والصحيح حينئذ عند الأصُوليين ترجيح القول، لأنَّه يتعدّى إلى الآخر، والفعل قد يكون مقصوراً عليه.

- والرابع: جواب جماعة من أصحابنا: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان له أنْ يتزوّج في حال الإحْرام، وهو ممَّا خُصَّ به دون الأمة، وهذا أصحُّ الوجهين عند أصحابنا.

- والوجه الثاني: أنه حرام في حقّه كغيره، وليس من الخصائص. انتهى.

وقال الأثرم: قلت لأحمد: إنَّ أبا ثور يقول: بأيِّ شيء يدفع حديث ابن عباس- أي مع صحته- قال: فقال: الله المستعان. ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة تقول تزوجني وهو حلال.

     وقال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحُكم، لكن الرواية أنه تزوجها وهو حلال، جاءت منْ طُرقٍ شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد، ولكنْ الوهم إلى الواحد أقرب إلى الوهم من الجماعة، فأقلّ أحوال الخبرين أنْ يتعارضا، فتُطلب الحُجة مِنْ غيرهما، وحديث عثمان صحيحٌ في منع نكاح المُحْرم، فهو المعتمد. اهـ (الفتح: 9/165).

تزويج ميمونة -رضي الله عنها

     وقال الحافظ في الفتح: وقد اختُلف في تزويج ميمونة، فالمَشْهور عن ابن عباس: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو مُحْرم، وصحّ نحوه عن عائشة -رضي الله عنها- وأبي هريرة - رضي الله عنه -. وجاء عن ميمونة نفسها أنَّه كان حلالًا، وعن أبي رافع مثله، وأنَّه كان الرسول إليها. اهـ.

وقول الحافظ: «وصح نحوه عن عائشة - رضي الله عنها- وأبي هريرة - رضي الله عنه -» فيه نظر؛ فإنَّ حديث عائشة معلٌّ بالإرسال، وحديث أبي هريرة في إسناده كامل أبو العلاء وهو ضعيف.

وأيضاً: فمن المعلوم أنّه إذا تعارض حاظرُ ومُبيح؛ قُدّم العمل بالحاظر، والأصْل في المُحْرم: أنه قد حُظِر عليه الجماع ودواعيه، ومقدّماته، فالأحْوط العمل بحديث عثمان - رضي الله عنه .

     وقال الطبري: الصواب من القول عندنا: أنَّ نكاح المُحْرم فاسد، لصحة حديث عثمان، وأما قصة ميمونة فتعارضت الأخبار فيها، ثم ساق من طريق أيوب قال: أنبئت أن الاختلاف في زواج ميمونة إنما وقع لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بعث إلى العباس لينكحها إياه؛ فأنكحه، فقال بعضهم: أنكحها قبل أن يُحرم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال بعضهم: بعدما أحْرم، وقد ثبتَ أن عمر وعليًا وغيرهما من الصحابة - رضي الله عنهم- فرّقوا بين مُحْرم نكح وبين امرأته، ولا يكون هذا إلا عن ثبت. اهـ

فوائد الحديث

في الحديث عدد من الفوائد منها ما يلي:

- الزَّواجُ والولاية والخِطبةُ في الحج مِن مَحظوراتِ الإحرامِ.

- وسرُّ ذلك النَّهْيِ: أنَّ الْمُحْرِمَ قد تَلَبَّسَ بعبادةٍ تَستغرِقُ جُلَّ وقتِهِ، فلا يَشتغِل بعبادةٍ أُخرى أو عمل آخر، لا يُوَافِقُ تلك العِبادةِ، وقد نَهَى اللهُ -عز وجل- عَنِ الرَّفَثِ في الحجِّ وأعمالِهِ، وفي الخِطبةِ والنِّكاحِ حالَ الإحرامِ؛ ما يَدْعو النَّفْسَ إلى الرَّفَثِ.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة