أخبار سريعة
الثلاثاء 18 يناير 2022

أبحاث و دراسات » شرح كتاب النكاح من صحيح مسلم - باب: النكاح على وزن نواة من ذهب

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

 

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَال: «ما هَذَا؟» قَال: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَال: «فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»، الحديث رواه مسلم في الباب السابق، ورواه البخاري في النكاح (5148) باب: قول الله -تعالى-: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} (النساء: 4).

 

     عبد الرّحمن بن عوف القرشيّ الزهريّ، أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين الأولين إلى الإسْلام، وأحد الثمانية الذين سَبَقوا بالإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب، ليختاروا الخليفة من بعده، كان اسمه في الجاهلية: عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسمَّاه النبي عبد الرحمن، وكان عبد الرحمن تاجراً ثريّاً، وكان كريماً؛ حيث تصدَّق في زمن النبي بنصف ماله والبالغ أربعة آلاف، ثم تصدّق بأربعين ألفًا، واشْترى خمسمائة فرس للجهاد، ثم اشْترى خمسمائة راحلة، وغيرها.

معنى أثر صُفرة

     قوله: «أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - رأى على عبد الرحمن بن عوف أثرَ صُفرة»، وفي رواية حماد بن سلمة «وعليه رَدْع زَعْفران»، وفي رواية أحمد: «وعليه وَضَر من خلوق»، والمراد بالصفرة: صفرة الخَلوق، والخلوق طيبٌ يُصْنع منْ زعفران وغيره. و«الوضر» بفتح الواو والضاد المعجمة وآخره راء، هو في الأصل: الأثر، والرَّدْع: بمهملات مفتوح الأول ساكن الثاني، هو أثر الزعفران.

جواز التَّزَعفر للعروس

     واستدل به على جواز التَّزَعفر للعروس، وخص به عموم النهي عن التَّزعفر للرجال، وتعقب باحْتمال أنْ تكونَ تلك الصُّفرة كانت في ثيابه دون جسده، وهذا الجواب للمالكية على طريقتهم في جوازه في الثوب دون البدن، وقد نقل ذلك مالك عن علماء المدينة، وفيه حديث أبي موسى رفعه: «لا يقبلُ اللهُ صلاةَ رجلٍ في جسده شَيءٌ منْ خلوق». أخرجه أبو داود، فإنَّ مفهومه أنَّ ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد، ومنع من ذلك أبو حنيفة والشافعي ومَنْ تبعهما في الثوب أيضا، وتمسَّكوا بالأحاديث في ذلك وهي صحيحة، وفيها ما هـو صريح في المدعي كما سيأتي بيانه.

وقال الحافظ: وعلى هذا فأجيب عن قصة عبد الرحمن بأجوبة:

- أحدها: أنَّ ذلك كان قبلَ النَّهي، وهذا يحتاج إلى تاريخ، ويُؤيده أنَّ سياق قصة عبد الرحمن يُشْعر بأنها كانت في أوائل الهجرة، وأكثر من روى النَّهي ممَّن تأخرت هجرته.

- ثانيها: أنَّ أثر الصُّفْرة التي كانت على عبد الرحمن تعلَّقت به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، ورجَّحه النووي وعزاه للمُحقّقين، وجعله البيضاوي أصْلاً ردَّ إليه أحد الاحْتمالين، أبداهما في قوله «مهيم» فقال معناه: ما السّبب في الذي أراه عليك؟ فلذلك أجاب بأنّه تزوَّج.

قال: ويحتمل أنْ يكون استفهام إنْكار؛ لما تقدَّم من النهي عن التَّضمخ بالخَلوق، فأجاب بقوله: تزوجت، أي: فتعلَّق بي منْها، ولم أقصد إليه.

- ثالثها: أنه كان قد احتاجَ إلى التَّطيب للدخول على أهله، فلمْ يجد من طيب الرجال حينئذ شيئاً؛ فتطيب من طيب المرأة، وصادف أنَّه كان فيه صفرة، فاستباح القليل منه عند عدم غيره، جمعاً بين الدليلين، وقد ورد الأمر في التطيب للجمعة، ولو من طيب المرأة، فبقي أثر ذلك عليه.

- رابعها: كان يسيراً، ولم يَبق إلا أثره، فلذلك لم يُنْكر.

- خامسها: وبه جزم الباجي أنّ الذي يكره مِنْ ذلك: ما كان منْ زعفران وغيره من أنواع الطيب، وأمَّا ما كان ليس بطيبٍ، فهو جائز.

- سادسها: أنَّ النَّهي عن التَّزعفر للرجال، ليس على التَّحريم، بدلالة تقريره لعبد الرحمن بن عوف في هذا الحديث.

- سابعها: أنَّ العروس يُسْتثنى من ذلك، ولا سيما إذا كان شاباً، ذكر ذلك أبو عبيد قال: وكانوا يُرَخّصون للشاب في ذلك أيام عُرسه، قال: وقيل: كان في أول الإسلام مَنْ تزوَّج لبس ثوباً مصبوغاً، علامة لزواجه، ليُعان على وليمة عرسه، قال: وهذا غير معروف.

قلت: وفي اسْتفهام النبي - صلى الله عليه وسلم- له عن ذلك؛ دلالة على أنه لا يَختصُّ بالتزويج... (الفتح).

سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم- عن سبب التطيّب

قوله: «فَقَال: «ما هَذَا؟» أي: سأله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سبب التطيّب. وفي رواية مسلم الأخرى: «رآني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وعليَّ بشاشة العُرْس» بشاشة العرس، أي: طلاقة الوَجه وفرحه.

قوله: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً»، وفي رواية مسلم الأخرى: «امرأةً منَ الأنصار».

قوله: «عَلَى وزن نواة من ذهب». وفي رواية الأخرى لمسلم: «كمْ أصْدقْتَها»، وفي رواية الطبراني: «على كم». قوله: «عَلَى وزن نواة من ذهب» أي: أصْدقتها.

المراد بقوله «نواة»

     واختلف في المراد بقوله «نواة» فقيل المراد واحدة نوى التَّمر، كما يُوزن بنوى الخروب، وأنَّ القيمة عنها يومئذ كانت: خمسة دراهم، وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار، وردّ بأنَّ نوى التمر يختلف في الوزن؛ فكيف يجعل معياراً لما يوزن به؟ وقيل: لفظ «النواة من ذهب» عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق، وجزم به الخطابي، واختاره الأزهري، ونقله عياض عن أكثر العلماء.

وكذا قال أبو عبيد: إنّ عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم، وهي تسمى نواة، كما تُسَمّى الأربعون أوقية، وبه جزم أبو عوانة وآخرون.

«أوْلمْ ولو بِشاة»

     قوله: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أوْلمْ ولو بِشاة» ليست «لو» هذه الامتناعية، وإنما هـي التي للتقليل، وزاد في رواية: «فقال: بارك الله لك»، قبل قوله «أولم»، وكذا في رواية أحمد: «قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعتُ حَجَراً؛ لرجَوتُ أنْ أصيبَ ذهباً أو فضة». فكأنه قال ذلك؛ إشارة إلى إجابة الدعوة النبوية؛ بأنْ يبارك الله له.

     وعن ثابت قال أنس: «فلقد رأيته قسَم لكلِّ امرأة مِنْ نسائه بعد موته: مائة ألف». قال الحافظ: مات عن أربع نسوة، فيكون جميع تركته: ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف. وهذا بالنسبة لتركة الزَّبير التي تقدم شرحها في فرض الخمس قليل جدا، فيحتمل أنْ تكون هذه دنانير، وتلك دراهم، لأنَّ كثرة مال عبد الرحمن مشهورة جدا. انتهى.

توكيد أمر الوليمة

     واستدل به على توكيد أمر الوليمة، وأنّها تجوز بعد الدخول، وأنّها تُسْتدرك إذا فاتت بعد الدخول، وعلى أنّ الشاة أقلّ ما تُجزئ عن المُوسر، ولولا ثبوت أنّه - صلى الله عليه وسلم - أولم على بعض نسائه بأقلّ مِنَ الشاة، لكان يُمكن أنْ يُسْتدل به على أنَّ الشّاة، أقلّ ما تُجْزئ في الوليمة، ومع ذلك فلا بدَّ منْ تقييده بالقادر عليها.

قال عياض: وأجْمعوا على أنَّ لا حدَّ لأكثرها، وأمَّا أقلها فكذلك، ومهما تيسر أجزأ، والمستحب أنَّها على قدر حال الزوج، وقد تيسر على الموسر الشاة فما فوقها.

فوائد الحديث

وفي الحديث فوائد منها ما يلي:

1- جواز خروج العَرُوس وعليه أثر العُرْس، منْ خلوق وغيره.

2- سُؤال الإمام والكبير أصْحابه وأتباعه عنْ أحْوالهم، ولا سيما إذا رأى منْهم ما لم يعهده منهم.

3- وفيه: اسْتِحباب الدُّعاء للمُتزوج.

4- واستدلَّ به على أنَّ النِّكاح لابدَّ فيه مِنْ صَدَاق، لاسْتفهامه على الكمية، ولم يقلْ هل أصْدَقها أو لا؟ ويشعر ظاهره بأنَّه يحتاج إلى تقدير لإطلاق لفظ «كم» الموضوعة للتقدير، كذا قال بعض المالكية، وفيه نظر! لاحتمال أنْ يكون المراد الاستخبار عن الكثرة أو القلة، فيُخبره بعد ذلك بما يليق بحال مثله، فلما قال له القدر؛ لم ينكر عليه بل أقرَّه.

5- واستدلَّ به على اسْتحباب تقليل الصَّداق؛ لأنَّ عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة، وقد أقرَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - على إصْداقه وزن نَواة من ذهب، وتعقب بأنَّ ذلك كان في أول الأمر حين قدم المدينة، وإنَّما حصل له اليسار بعد ذلك، منْ ملازمة التجارة، حتى ظهرت منه مِنَ الإعانة في بعض الغزوات ما اشتهر، وذلك ببركة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له كما تقدم.

6- وفيه: الأمرُ بالوَليمةِ للعُرسِ.

7- وفيه: التَّطيُّبُ للرَّجُل إذا كانَ عَروسًا.

 

 

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة