أخبار سريعة
الثلاثاء 18 يناير 2022

أبحاث و دراسات » شرح كتاب النكاح من صحيح مسلم - باب: التَّزْويج على تَعْليم القرآن

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

 

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - رضي الله عنه - قَال: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا؛ جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِها حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيها، فَقال: «فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟» فَقَال: لَا وَاللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقال: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ، هَلْ تَجِدُ شَيْئًا، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَال: لَا واللَّهِ، ما وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -: «انْظُرْ ولَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ» فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَال: لَا واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ، ولَكِنْ هَذَا إِزَارِي- قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَها نِصْفُهُ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -: «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ؟ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ» فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جاءَ قَال: «مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟» قال: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَال: «تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟» قال: نَعَمْ، قَال: اذْهَبْ، فَقَدْ مُلِّكْتَهَا بِما مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ».

الحديث رواه مسلم في النكاح (2/1040) باب: الصَّداق وجواز كونه تعليم قرآن، وخاتم حديد، وغير ذلك من قليل وكثير، ورواه البخاري في كتاب فضائل القرآن (5030) باب: القراءة عن ظهر القلب، وفي النكاح (5149) باب: التزويج على القرآن وبغير صداق.

قوله: «جاءَت امْرأة»

     اختلف في اسمها، فقيل: هي خولة بنت حكيم، وقيل: هي أم شريك الأزدية. وقيل غيرها، ذكر هذه الأقوال أبو القاسم بن بشكوال في كتاب (المبهمات)، وقوله: «فقالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي» وفي البخاري: «وهبت لك نفسي» فيه: هِبةُ المرأةِ نفسَها، وهي أنْ تَتزوَّجَ الرَّجُلَ بِلا مهرٍ، وقد أحَلَّ اللهُ -سبحانه- ذلك لنبيِّه خاصةً مِن دونِ المؤمِنينَ؛ قال -تعالى-: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} (الأحزاب: 50)، قال ابن القاسم عن مالك: لا تحلّ الهبة لأحدٍ بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال أبو عمر: أجْمعَ العلماء على أنَّه لا يجوز أنْ يطأ فَرْجا وُهِبَ له وطؤه دون رقبته، بغير صداق.

مقام الخاطب

     قوله: «فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأْسَهُ» صَعَّدَ: فَبِتَشْدِيدِ العَيْنِ، أَيْ: رَفَعَ، وأَمَّا صَوَّبَ: فبتَشْدِيدِ الْوَاوِ، أَيْ: خَفَضَ، وإنَّما نظر إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنَّه في مقام الخاطب الذي يُشْرع له النَّظر إلى المخطوبة، فنظر إليها: فإنْ أعْجبته تزوَّجها، وإنْ لم تُعْجبه غضَّ طَرفه عنها، وهذا ما حصل، قال النووي -رحمه الله-: فِيه دلِيلٌ لِجَوَازِ النَّظَرِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وتَأَمُّلِهِ إِيَّاهَا، وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: قوله: «فَصَعَّدَ النَّظَر إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ» دَالٌّ على أَنَّهُ كانَ يُرِيد التَّزْوِيج لَوْ أَعْجَبَتْهُ».

«انْظُرْ ولَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ»

     قوله: «فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِها حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيها» يعني: إنْ لم تُرِدْ زَواجَها، فَقال: «فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟» أي: هل عندك ما تعطيها صَداقاً ومهْراً لها، «فقال: لَا واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، فقال: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فانْظُرْ، هَلْ تَجِدُ شَيْئًا، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، ما وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «انْظُرْ ولَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ» أي: نفى الرَّجُلُ امتلاكَه للمالِ، فقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «انظرْ» فيما عندك، فابحثْ عَن شَيءٍ تَدفَعُه مَهْرًا لها، فذهب وبحَثَ فرجَعَ، وقال: لم أجِدْ شيئًا.

     فقال له النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْتَمِسْ ولو خاتمًا مِن حَديدٍ»، يعني: اذْهبْ فأْتِ بأيِّ شَيءٍ، ولو خاتمًا مِن حديدٍ، فذَهَبَ الرَّجلُ وبحَث فيما عنده ثُمَّ أتى، وقال: إنَّه لا يَملِكُ حتَّى الخاتمَ، ولم يكُنْ عليه سِوى إزارٍ يستُرُ به نِصفَ جَسَدِه من الأسفَلِ، فقالَ لِلنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أُصْدِقُها إزاري»، أي: أُعْطِيها إِزاري مَهراً، فرفض ذلك النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ قائلا له: لأنَّه إنْ لِبسَتْه المرأةُ لم يكُنْ عليكَ ثَوبٌ، وإنْ لِبْستَهُ أنتَ لم يكنْ عليها ثَوبٌ، فتَراجَعَ الرَّجلُ وجلَسَ.

«ما مَعكَ مِنَ القرآنِ؟»

     قوله: «فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فلمَّا رآهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذاهبًا دَعاهُ، وقال له: «ما مَعكَ مِنَ القرآنِ؟» أي: ما تَحفَظُ مِنه؟ فذَكَرَ الرَّجلُ له ما يَحفَظُ مِنَ السُّورِ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «قدْ مَلَّكتُكها بما معكَ مِنَ القرآنِ»، يعني زَوَّجْتُها لك، بما تَحفظُ مِنَ القرآنِ. وفي أكثر روايات الموطأ: «أنكحتكها».

قال الدارقطني: رواية من روى: مَلكتكها، وَهم، قال: الصّواب رواية من روى: زوجتكها، قال: وهم أكثر وأحفظ.

وقال النووي: ويحتمل صحة اللفظين، ويكون جرى لفظ التزويج أولاً فمَلَكها، ثم قال له: إذهب فقد ملكتُكها بالتزويج السابق. قال الحافظ: هذا هو الوجه، وقد ذكرنا أن البخاري أخرج هذا الحديث في التوحيد، ولكنه مختصر جدا.

فوائد الحديث

 وفي الحديث فوائد منها ما يلي:

1- استدلَّ أهل العلم بهذا الحديث على جواز النَّظَر إلى المَخطوبة.

2- جواز هِبة المرأة نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو مِنْ خَصائصه، وأنَّه -صلى الله عليه وسلم - يجوز له اسْتباحة منْ شاء ممَّن وهبتْ نفسَها له بغير صَداق، وهذا أيضا من الخصائص.

3- استدل به أبو حنيفة والثوري وأبو يوسف ومحمد والحسن بن حي، على أنَّ النكاح ينعقد بغَيرِ لَفظِ النِّكاحِ والتَّزويجِ، كلفظ الهبة، فإنْ سمّى مهراً لزمه، وإنْ لم يسمِّ فلها مهر المثل.

4- وفيه: إنكاحُ المُعسِرِ، وأنَّ الكفاءةَ إنَّما هي في الدِّينِ لا في المالِ، وأنَّه لا حَدَّ لأقلِّ المَهرِ، وتَيسيرِ أمْرِ النِّكاحِ.

5- وفيه: أنَّ الإمام ومَن ينوب عنه من القضاة له أنْ يُزوِّجُ مَنْ ليس لها ولِيٌّ، لِمَنْ يَراه كُفؤًا لها، بشَرْطِ رِضاها.

6- وفيه: إكرامُ حاملِ القرآنِ، حيث زوَّج النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - المرأةَ للرَّجلِ؛ لأجْلِ كونِه حافظًا للقرآنِ أو لبَعضِه، ليعلِّم المرأةَ ما يحفظه من القرآن، ويكون تعلِيمُه ما حفظه من القرآن مهراً لها.

7- وفيه: نَظَر إمام المسلمين في مصالحِهم، وهدايتِه إيَّاهم إلى ما فيه صلاحهم، والرِّفق بهم.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة