شرح كتاب فضائل القرآن من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري (3) باب: في فضل آية الكرسي

شرح كتاب فضائل القرآن من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري (3) باب: في فضل آية الكرسي

 

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا.  والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا.  والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، [ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

2097. عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ [: « يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ « قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: « يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ « قَالَ قُلْتُ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} قَالَ:  فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِر».

الشرح:

       قال المؤلف المنذري -رحمه الله- في مختصر صحيح مسلم: باب فضل آية الكرسي، وقد رواه مسلم في كتاب المسافرين وقصرها (810) وبوب عليه النووي: باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي.

        وكما ذكرنا في الحديث السابق أن هذه الأحاديث وأمثالها حجة لمن قال بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض، كما أن القرآن يفضل سائر الكتب السماوية وقد منع منه الأشاعرة وجماعة من الفقهاء؟! وقالوا: لأن تفضيل بعض القرآن على بعض يقتضي نقص المفضول، وليس في كلام الله عز وجل نقص؟!

        لكن هذا القول مردود؛ لأنّ الكلام يشرف بشرف موضوعه، فإذا كان الكلام عن الله عز وجل وصفاته ونعوته والثناء عليه، كان هذا أعظم وأفضل من غيره من السور والآيات، وهذا القول هو المختار عند عامة أهل العلم.

       قال الإمام النووي رحمه الله: والمختار جواز قول هذه الآية أو السورة أعظم وأفضل بمعنى أن الثواب المتعلق بها أكثر، وهذا معنى الحديث، والله أعلم.

        هذا اختيار الإمام النووي إذ جعل الأفضلية من جهة الثواب، والحقيقة أن هذا لا يمنع من القول بأن هذه الآية أو أن هذه السورة أعظم وأفضل من غيرها من السور، والقول بذلك لا يقتضي أن في الآخر نقصا كما بينا.

أما حديث الباب فهو عن أبي بن كعب الأنصاري رضي الله عنه، ابن قيس بن عبيد بن النجار الخزرجي، قال ابن حجر: سيد القراء.

قلت: وهو أحد القراء الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بأخذ القرآن عنهم، كما في قوله  صلى الله عليه وسلم  : « خُذُوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى حذيفة « رواه أحمد والترمذي.

- قوله  صلى الله عليه وسلم  : «يا أبا المنذر» وهي كنيته «أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» يعني: هل تدري أي آية معك مما تحفظ من كتاب الله عز وجل هي أعظم.

- قال: قلت: الله ورسوله أعلم. وهذا من أدب الصحابة رضي الله عنهم، أنهم دائما يتركون الكلام للنبي  صلى الله عليه وسلم  ، ولا يتقدمون بين يديه، كما أمرهم الله عز وجل: {يأيها الذين آمنوا لا تُقدِموا بين يَدي الله ورسوله} (الحجرات: 1). وأخذ منه أهل العلم: أنه يستحب للمتعلم ألا يكثر الكلام بين يدي العالم، كي يكون ما يستفيد منه، أو ما يسمع منه أكثر مما هو يتكلم بين يديه.

- فأعاد عليه الرسول  صلى الله عليه وسلم   السؤال، وقال له: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم» لما كرر عليه السؤال عرف أبي أن النبي  صلى الله عليه وسلم   يريد منه أن يتكلم بما يعلم.

قال قلت: {اللهُ لا إله إلا هُو الحيّ القيوم} أي: إن هذه الآية هي أعظم آية في كتاب الله تبارك وتعالى.

       وورد أيضا في الحديث الصحيح في فضلها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه: أن الرسول  صلى الله عليه وسلم   وكّل أبا هريرة بحفظ زكاة الفطر في رمضان، فأتاه من يأخذ من هذه الزكاة ويحثو منه... إلى أن أمسك به في الليلة الثالثة وقال له: ألا أعلمك شيئاً ينفعك الله به، وكانوا أحرص شيء على الخير، قال: نعم، قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي؛ فإنه لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما رجع إلى النبي  صلى الله عليه وسلم   وأخبره، قال عليه الصلاة والسلام: «صدقك وهو كذوب».

- أي: إن هذه الكلمة صدق وحقٌ، وإنْ كان الذي تكلم بها كذوبا، وهو الشيطان؛ فإنّ من قرأ هذه الآية عند نومه، وكّل الله به حافظا من الملائكة يحرسه، ولا يقربه شيطانٌ حتى يصبح.

- وقال أهل العلم: إنما كانت هذه الآية أعظم آية في القرآن؛ لأنها قد تميزت بذكر أصول الأسماء الحسنى، والصفات العلا لله عز وجل، فأصول الأسماء الحسنى والصفات العلا ذكرت في هذه الآية، فإن هذه الآية ذكر فيها خمسة أسماء من أسماء الله الحسنى، وهي: في أولها: الله، الحي، القيوم، وختمت: بالعلي العظيم، فهذه خمسة أسماء لله تعالى، وهذه الأسماء تدل على الإلهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة، وهذه الصفات السبعة هي أصول الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فاسمه «الله» اسم علم ترجع إليه جميع الأسماء الحسنى، وهو الاسم الأعظم كما هو القول الصحيح وقال به عند كثير من أهل العلم. و»الحي» ترجع إليه جميع الأسماء والصفات، و»القيوم» أيضا يدل على كمال قيامه، وبعده عن الغفلة والنوم والمرض وترجع إلى «الحي القيوم» جميع صفات الكمال والجلال.

       وأما الصفات فبالتأمل في هذه الآية - كما ذكر شيخنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله - قال: بالتأمل فإن هذه الآية بالإضافة إلى الأسماء الحسنى الخمسة قد حوت ستا وعشرين صفة لله سبحانه وتعالى.

        فمن قرأ هذه الآية متمعناً، متدبراً ما فيها، فإنه لا يقرب قارئها شيطان حتى يصبح، وبعض الناس يقول: أنا أقرأ هذه الآية، وبعد ذلك أحلم أحلاما مزعجة وكوابيس؟! نقول: العيب فيك أنت، فالسلاح قوي ولكن الذي أخذ بالسلاح ضعيف، فما استطاع أن ينتفع به إلا قليلا.

        وورد في فضلها حديث عند الترمذي (1348) قال عليه الصلاة والسلام: «لكل شيء سَنَام، وإنّ سنام القرآن سورة البقرة، فيها آية هي سيدة آي القرآن، ولا تقرأ في بيت وفيه شيطان إلا خرج منه، هي: آية الكرسي» ورواه ابن حبان أيضا لكن فيه حكيم بن جبير ضعيف عند عامة أهل العلم.

لكن قوله: «لكل شيء سَنَامٌ، وإنّ سنام القرآن سورة البقرة» حسن لغيره لمجيئه من طريق آخر يشهد له (انظر صحيح الترغيب 1461، 1462).

       أما الضعيف فتسمية «آية الكرسي» بسيدة آي القرآن، ولم يثبت مرفوعا إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  ، وإن كانت هذه الآية لها السيادة على جميع آي القرآن بما لها من الشرف العظيم المذكور في هذا الحديث وغيره بأنها أعظم آية.

         وفي فضلها أيضا: حديث أبي أمامة رضي الله عنه، عند النسائي وابن حبان: «من قرأ آية الكرسي دُبُر كل صلاةٍ مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت».

وفي فضائلها أحاديث وآثار أخرى.

- قوله: «فضرب في صدري، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر» أي إن النبي  صلى الله عليه وسلم   ضرب في صدر أبي بن كعب كالفرح والمسرور بإجابته وموافقته للصواب.

- قوله: «ليهنك العمل يا أبا المنذر» يعني لتهنأ بهذا العلم الكثير الغزير، كأنه يهنئه  صلى الله عليه وسلم بذلك، وهذا فيه تبجيل النبي  صلى الله عليه وسلم   للعلماء من أصحابه وتكريمهم، وفيه جواز مدحهم، ومدح الإنسان في وجهه إذا كان فيه مصلحة ولم يخف عليه الإعجاب بنفسه لكمال إيمانه وتقواه، ورسوخه في العلم.

- والحديث فيه أيضا: منقبة عظيمة لأبي بن كعب رضي الله عنه فإن النبي  صلى الله عليه وسلم   أثنى عليه وعلى كثرة علمه، وعلى فهمه في كتاب الله تبارك وتعالى.

باب: في خواتيم سورة البقرة

2098. عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَنْ قَرَأَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ».

الشرح:

       الباب الرابع في كتاب فضائل القرآن من مختصر مسلم باب في خواتيم سورة البقرة، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب صلاة المسافرين (808)  وبوب عليه النووي: باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة القرآن، والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة.

وهو عن أبي مسعود واسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، صحابي جليل، مات قبل الأربعين، وقيل بعدها.

- قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» وقد اختلف أهل العلم في معنى قوله  صلى الله عليه وسلم   «كفتاه» فقال بعضهم: أجزأته عن قيام الليل، أي كفتاه عن قيام الليل، والليلة متى تبدأ؟ هل بعد العشاء أم بعد المغرب؟ على قولين لأهل العلم، فمنهم من قال: إن الليل يبدأ من بعد العشاء إلى الفجر، ومنهم من قال: إن الليل يبدأ من بعد المغرب إلى الفجر، وهذا أصح، فمن قرأ هاتين الآيتين في وقت الليلة كفتاه عن قيام الليل.

- وقيل: كفتاه شرّ كل شيطان، فلا يقربه في تلك الليلة، هذا قول ثان وقوي، والقول الثالث: كفتاه ما يكون من الآفات والشرور في تلك الليلة.

- والرابع: كفتاه حسبا وأجرا وفضلا وثوابا قراءتها في تلك الليلة.

- وقال الإمام الشوكاني: والأولى حمل كفتاه على جميع هذه المعاني؛ لأن حذف المتعلق مشعرٌ بالتعميم، كما تقرر في علم المعاني. انتهى.

- أي: إن الرسول صلى الله عليه وسلم  كان قادرا على أن يقول كفتاه من كل شر أو من قيام الليل، لكن لما قال النبي  صلى الله عليه وسلم  : «كفتاه» وسكت، دلّ على السعة والتعميم، وأنه يشمل كل هذه المعاني التي ذكرناها جميعا، وقرره الإمام النووي فقال: يحتمل الجميع.  انتهى.

       وسواء قرأ بها المصلي في صلاته، أو تلاها تلاوة، أو قرأها وهو ماشٍ، أو وهو في بيته أو في عمله، حصل له هذا الأجر، والحمد لله, ومما ثبت في فضل هاتين الآيتين: ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم:  أن النبي  صلى الله عليه وسلم   قال: «إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، وهو عند العرش، وأنه أنزل منه آيتين خَتم بهما سورة البقرة، ولا يُقرآن في دارٍ ثلاثَ ليالٍ فيقربها الشيطان» أي: لا تقرأ هاتان الآيتان في دار ثلاث ليال متوالية، فيقرب تلك الدار شيطان، أي إنها تطرد الشيطان عن البيت.

- كما ورد في الحديث أيضا: أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إنّ الشيطان ينَفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» رواه مسلم (1/539)  وأحمد.

        ومما ورد فيها ما مر معنا في حديث ابن عباس السابق قال: بينما جبريل قاعد عند النبي  صلى الله عليه وسلم   إذ سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم،لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌ من قبلك:  فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة،لم تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيته «.

وفي هاتين الآيتين من المعاني:

       بيان أركان الإيمان بالله تعالى، وشهادة الله تعالى أن الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين آمنوا بذلك كله، وأنهم آمنوا بما أنزل الله، وأنهم لا يفرقون في الإيمان بالرسل، بأن يؤمنوا ببعض الرسل ويكفرون ببعض، كما يفعل أهل الكتاب، وأنهم استجابوا لربهم سبحانه وتعالى أعظم استجابة، وقالوا مقرين: سمعنا وأطعنا، ثم اعترفوا بتقصيرهم لغلبة الطباع البشرية، فقالوا: غفرانك ربنا، ثم أقروا برجوعهم ومعادهم إلى الله فقالوا: وإليك المصير.

         ثم بين الله سبحانه وتعالى أنه لا يكلّف نفسا إلا وسعها، وهذا يتضمن أن العباد مطيقون جميع ما كلفهم الله سبحانه، وأن العبد لا يؤاخذ بكسب غيره {ولا تزر وازرة وزر أخرى}. وأن الله عز وجل برحمته وإحسانه لا يؤاخذ عباده إنْ أخطؤوا أو نسوا، وأنه عز وجل لا يعذّب نفسا إلا بما كسبت وعملت، وأن ثمرة العمل عائدة عليهم، فلهم بذلك الثواب الجزيل عنده.

وفيه: أن للعباد كسبا وسعيا ردا على الجبرية.

        وفي ختامها سألوا الله تعالى العفو، والمغفرة، والرحمة، والنصر على الأعداء، وبهذه الأربعة تتم النعمة المطلقة على العباد، فلا يصفو عيشٌ في الدنيا إلا بها، وعليها مدار السعادة والفلاح، فنسال الله تعالى أن يغفر لنا وأن يعفو عنا ويرحما وينصرنا على عدونا. (ينظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام 14/133-141)

 والله تعالى أعلم.

www.al-forqan.net