شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(17)-من علامات الساعة الكبرى (2)

شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(17)-من علامات الساعة الكبرى (2)

 

 

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا.  والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا.  والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، [ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

2138. عَنْ أَبِي ذَرٍّ ] أَنَّ النَّبِيَّ [ قَالَ يَوْمًا: «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسَ مِنْهَا شَيْئًا، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ [: «أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا}».

الشرح: الحديث الثاني في هذا الباب: وهو باب قوله تعالى: {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ} (الأنعام: 158). وقد رواه مسلم في الإيمان (159)، هو حديث أبي ذر ] أن النبي [ قال يوما لأصحابه: أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم» وهذه عادة الصحابة الكرام، وهي من أدبهم مع رسول الله [، أنهم لم يكونوا يتكلمون بين يديه، وأحيانا لو علموا الجواب ما تكلموا، وفي هذا طلب زيادة الانتفاع بكلام النبي [، وكذلك الكبراء والعلماء، ولو كان عند الإنسان علم.

        قوله [: «إن هذه»، يعني الشمس «تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها»، فهذه الشمس تجري كما أخبر الله سبحانه وتعالى عن ذلك بقوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي} يعني: أنها غير ثابتة، بل أثبت الله  تبارك وتعالى لها الجريان، والجري: هو السير بقوة وبسرعة، فالشمس تجري بسرعة وبقوة حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش.

       قال عياض: هذا الحديث على ظاهره عند أهل الحديث والفقه والمتكلمين من أهل السنة، خلافا لما تأولته الباطنية (شرح النووي 2/195).

         ولا بد أن نعلم أولا: أن الشمس أينما كانت فهي تحت العرش، وكذلك جميع المخلوقات هي تحت العرش؛ لأن العرش فوق السموات كلها، وهو سقف المخلوقات جميعاً، فهو أعلى ما خلق الله تعالى من المخلوقات، وقد ذكر الله سبحانه استواءه عليه، وارتفاعه فوقه، فقال: {الرحمن على العرش استوى} أي: علا وارتفع، في سبع آيات من القرآن الكريم.

         وجاء في الحديث الصحيح أن العرش سقف جنة الفردوس، إذ يقول [: «فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنة» رواه البخاري (7423). والفردوس كما هو معلوم هو أعلى الجنة، يعني في السموات العلى.

        فالشمس أينما كانت، هي تحت العرش، وسجود الشمس يليق بخلقها، ويليق بطبيعتها؛ لأن سجود كل مخلوق بحسب خلقه، كما ذكر الله سبحانه وتعالى عن الجبال والجمادات أن سجودها بالعشي والإبكار، إنما هو بالظلال، وكذا كل كافر يسجد ظله لله رغما عنه، قال سبحانه: {أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} (النحل: 48) فقوله: {ما خلق الله من شيء} أي: كل مخلوقات الله التي لها ظل، هي ساجدة لله،خاضعة لعظمته، بظلالها، تارة عن اليمين، وتارة عن الشمال، في الشروق والغروب {وهم دَاخِرُونَ} يعني: راغمون صاغرون.

       فذكر الله سبحانه وتعالى أن سجود الجبال ونحوها أنه يكون بالظلال، فالظل يكون على الأرض خارّا ساجدا، وهذا نوع من السجود لله تعالى.

         وسجود الشمس هو أيضا بحسب خلقتها وطبيعتها، وهو بتمييز منها وإدراك خلقة الله فيها. وقد أخبر النبي [ أنها إذا صارت تحت العرش، وذلك عند منتصف الليل - وهي أبعد ما تكون عن العرش - فحينئذ تسجد، وتظل كذلك ساجدة حتى يؤذن لها.

قال الواحدي: وعلى هذا القول إذا غربت كل يوم، استقرت تحت العرش، إلى أن تطلع من مغربها.

         قوله: «فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتصبح طالعة من مطلعها» يعني تشرق الشمس من المشرق كالعادة، لا يستنكر الناس منها شيئا؛ إذ كل يوم يرونها تشرق من المشرق، وتجري حتى تكون في كبد السماء - منتصف السماء - عند الظهيرة، وبعد ذلك تميل لجهة الغرب حتى تغرب، ثم تظل سائرة حتى تكون في منتصف الليل تحت مكانها من الظهيرة، فحينئذ تسجد ثم تستأذن بأن تخرج مرة أخرى من مشرقها.

(انظر تفسير ابن كثير 3/528) عند قوله {والشمس تجري لمستقر لها} (يس: 38).

         وهذا كله خبر غيبي، يخبر به نبينا [ الذي {لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى} (النجم: 3- 5).

         قوله «فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا»  حتى تنتهي إلى يوم يقال لها ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، بدلا     من أن تطلع من المشرق، أي: على عكس ما كانت تفعل كل يوم، فتصبح طالعة من مغربها، بأمر الله تعالى وتقديره وعلمه وحكمته.

         وهذا تحول كوني عظيم، يندهش له العالم، وتطير له عقولهم، ويهرعون عنده إلى التوبة وترك المعاصي، والدخول في الإسلام، ولكن هيهات وقت التوبة؟! فقد مضى وانتهى، وحقّ عليهم قوله تعالى {وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فُعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شكٍ مُريب} (سبأ: 54).

ثم قال [: «أتدرون متى ذاكم؟» يعني: متى يكون طلوع الشمس من المغرب؟!

         قال: «ذاك حين {لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا}» فإذا طلعت الشمس من المغرب، فإنه لا ينفع نفسا إيمانها، لا ينفعها إيمانها إن كانت كافرة فآمنت وأسلمت؛ إذ لا يقبل منها الإسلام حينئذ؛ لأن الله تبارك وتعالى كما ذكرنا في الحديث السابق، لا يقبل من الناس الإيمان الاضطراري، وإنما يقبل منهم الإيمان الاختياري، وإذا حصل ما يدفع الإنسان إلى الإيمان والإذعان اضطراريا، فإن الله لا يقبل منه هذا الإيمان، مثل الغرق والحرق وظهور هذه الآيات الكونية الباهرة فعندئذ لا ينفع نفسا إيمانها، {أو كسبت في إيمانها خيرا}، يعني أن تزيد في عملها الصالح عملا آخر لم تكن كسبته من قبل، فأهل القبلة المصدقين إذا رأوا هذه الآية التي اضطرتهم إلى هذا العمل الصالح، لا يقبل منهم ذلك، إلا ما كانوا عملوه من قبل. وذكر في الحديث السابق أيضا: ظهور الدجال وخروج دابة الأرض، فهذه ثلاث آيات إذا خرجت لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا.

         وقال أهل التفسير: للشمس مستقر زماني، ومستقر مكاني، أما المستقر الزماني فهو قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} (يس: 38). وهو منتهى سيرها؛ حيث ينتهي جريانها، وذلك في يوم القيامة، فإذا جاءت الساعة بطل سير الشمس ووقفت، وكوّرت، أي: تُجمع وتلف وتصير كالكرة، وجمعت هي والقمر، كما قال سبحانه: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} (القيامة: 9).

فتسكن حركة الشمس عند نهاية هذا العالم، وهذا المستقر الزمني الأول.

         أما المستقر المكاني: فهو سجودها تحت العرش، كما نص هذا الحديث عليه. وقد روى الإمام مسلم    هذا الحديث عن أبي ذر مختصرا (1/139)، ولفظه: «قال أبو ذر ]: سألت رسول الله [ عن قول الله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} (يس: 38) قال: «مستقرها تحت العرش».

         وفي رواية أخرى قال:  دخلت المسجد ورسول الله [ جالس، فقال: «يا أبا ذر، هل تدري أين تذهب هذه؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها تذهب فتستأذن في السجود، فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها».

         وذلك التقدير تقدير العزيز العليم، العزيز الذي لا يخالف في أمره، ولا يمانع في قدرته، العليم بجميع الحركات والسكون، وهو سبحانه وتعالى بكل شيء عليم.

 وقد  يقول قائل: نحن نرى الشمس تشرق وتغرب وتسير، ولا نرى لها سجودا؟! ولا نرى لها تحركا غير اعتيادي؟!

         والجواب أن نقول: نحن نؤمن بهذا الخبر الغيبي، الذي قد لا يدرك بالحس والمشاهدة؛ إذ هو من العلم الغيبي، الذي علّمه الله تعالى لنبيه [، والواجب علينا الإيمان والتصديق والتسليم، وترك الاعتراض والشك، كما قال عز وجل عن صفات المؤمنين: {الذين يؤمنون بالغيب} (البقرة: 2).

والله تعالى أعلم.

www.al-forqan.net