أخبار سريعة
الإثنين 10 اغسطس 2020

الافتتاحية » أعظم وسيلة لكشف الكربات

نسخة للطباعة

أعظم وسيلة لكشف الكربات

 

     قال الله -تعالى-: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}(الأنبياء:87)، وقوله -سبحانه وتعالى- (فنادى في الظلمات): هي ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، وهذا يدلنا على أن النداء في أوقات الشدة -ولاسيمًا إذا كان في جوف الليل- من أرجى ما يستجاب للعبد، وكلما ازدادت حاجة الإنسان إلى ربه وازداد تضرعه لله -سبحانه- كان أقرب إلى إجابة دعائه؛ ولذا فإن الافتقار إلى الله وإظهار رثاثة الحال مما يشرع في مواضع متعددة كصلاة الاستسقاء، وكذلك في حال السفر، وفي حال المرض، وفي حال الافتقار إلى الله -عز وجل.

     وبدأ هذا الدعاء بالتوحيد؛ حيث توسل إلى الله -عز وجل- بتوحيده -سبحانه وتعالى-، والتوحيد هو أعظم مطلوب وأعظم واجب أوجبه الله على عباده؛ فإن من أعظم أسباب إجابة الدعاء تحقيق العبودية لله، ألا نعبد إلا الله، والإله هو الذي تفزع إليه القلوب ويتضرع إليه العباد في حوائجهم، وهذا من أخص معاني العبودية.

     فالإنسان في الكرب إذا توسل إلى الله بأنه يوحده وذكَر ألوهيته وحده لا شريك له؛ فإن هذا الدعاء ثناء متضمن للطلب، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دعوة أخي يونس ما دعا بها مسلم في كرب إلا كشف عنه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم».

     فأنت إذا قلت لا إله إلا الله مستحضرًا أنك تفزع إليه -سبحانه- في تفريج هذه الكربة فهذا أعظم وسيلة لكشف الكربات، فإن أضفت إليها التوسل إلى الله -عز وجل- بإلاهيته وربوبيته؛ كان من أعظم أسباب المغفرة، لذلك كان هذا سببا لإزالة الكرب؛ فالمسلمون يقعون في الكرب؛ بسبب الذنوب؛ فإذا وحّدوا الله؛ غفر الذنوب وزالت الكروب -بإذن الله-؛ لذا نجد أن الشرك أعظم أسباب الكرب، وأعظم أسباب المصائب؛ لأنه أعظم الذنوب، فالشرك بالله والكفر به وتكذيب رسله سبب في أن يظل العبد في العذاب الأبدي السرمدي إذا مات عليه، وكم من أقوام نزل بهم عقاب الله بسبب تكذيبهم وكفرهم وشركهم بالله! فإذا حقق العبد التوحيد واستحضره في قلبه وهو يدعو الله فإن ذلك من أعظم أسباب إزالة الكرب.

     ثم التسبيح تنزيه الرب -عز وجل- عن كل نقص وعن كل عيب؛ وذلك أن الناس في مقام الكرب يقعون في أنواع من المنكرات والضلالات التي من أخطرها وأعظمها تضييعا للعقيدة: أن يظن بالله الظنون، أو أن الله يضع الأشياء في غير مواضعها، فينكر الحكمة كما يفعل كثير من الناس عند المصيبة، يقولون لماذا فعل الله بنا هذا؟، وبعضهم يقوله بلسان الحال وبعضهم بلسان المقال، وبعضهم يعترض على ربه وينسب له الظلم؛ فأنت في الكرب تنزِّه الله عن هذا الظن السيئ، وتسبحه -سبحانه.

     فالمصائب والمحن والكروب، ثم الاعتراف على النفس بالظلم من أعظم أسباب الجبر؛ قال الله -سبحانه وتعالى- عن دعوة يونس -عليه السلام-: {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، وقال آدم وحواء -عليهما السلام-: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وعلّم النبي - صلى الله عليه وسلم - أبابكر أن يقول: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم»، فإقرار الإنسان على نفسه بالظلم انكسار يزيد على انكساره بالمصيبة والمحنة التي أصابته، واعترافه على نفسه؛ كل ذلك من أسباب جبره -بإذن الله سبحانه وتعالى-؛ فاللهم اجبر كسرنا وأذهب همنا وغمنا، وفرج آلام المسلمين في كل مكان.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة