أخبار سريعة
الأربعاء 03 مارس 2021

الافتتاحية » التدرج سنة ربانية

نسخة للطباعة

التدرج سنة ربانية

  

     التدرج سنة ربانية في كل شيء، في الخلق والتكوين، وفي التربية والإعداد، وفي الدعوة والتشريع، وهي في ذلك تنسجم مع فطرة الإنسان؛ فتحقيق التمام والكمال لا يكون بجرة قلم، وإنما يكون خطوة خطوة، وشيئًا فشيئًا؛ وكما يقولون مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة.

ولقد شاءت إرادة الله -تعالى- أن تنزل رسالاته متدرجة مراعاة لواقع الأمم التي نزلت فيها، من عهد آدم -عليه السلام-، حتى بعثة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ تمم الله ببعثته المكارم والمحاسن وفضائل السلوك الإنساني.

كما اقتضت حكمته -سبحانه- أن ينزل القرآن على نبيه - صلى الله عليه وسلم - منجمًا مفرقًا على مدار ثلاث وعشرين سنة، ولم ينزل جملة واحدةً كالكتب السماوية التي سبقته، وكان الهدف من وراء ذلك التدرج في تربية الأمة الناشئة علمًا وعملاً.

     كذلك فإن الدعوة النبوية مرت بمرحلتين، المرحلة المكية: مرحلة الدعوة الأولى وإنشاء الجيل الذي يحمل الدعوة، وهي مرحلة مواجهة فكرية عنيفة مع الشرك والوثنية، وكانت مرحلة تركز على نشر العقيدة والأخلاق، وتقلل من ذكر التشريعات، ثم المرحلة المدنية: وهي مرحلة بناء الدولة التي اقتضت أن تنزل القوانين والتشريعات التي تنظم أمور الدولة الناشئة في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلى غير ذلك.

     ويقابل التدرج في الدعوة آفة من الآفات التي يصاب بها بعض الدعاة وهي (الاستعجال)؛ حيث يسعون إلى تغيير الواقع الذي يحياه المسلمون في لمحة أو في أقل من طرفة عين دون نظر في العواقب، ودون فهم للظروف والملابسات المحيطة بهذا الواقع، ودون إعداد جيد للمقدمات أو للأساليب والوسائل؛ بحيث يغمض الناس عيونهم ثم يفتحونها، أو ينامون ليلة ثم يستيقظون فإذا بهم يرون كل شيء عاد إلى وضعه الطبيعي في حياتهم! وهذا ولا شك من الأخطاء الفادحة التي يقع فيها الدعاة إلى الله -تعالى- والساعون إلى الإصلاح والتغيير.

     وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك في الحديث الذي رواه البخاري وغيره، عن خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسِّدٌ بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألاَ تستنصر لنا؟ ألاَ تدعو لنا؟ فقال: «قد كان مَن قبلَكم يُؤخَذُ الرجلُ فيُحفَرُ له في الأرض، فيُجعل فيها، ثم يؤتى بالمِنشار، فيوضعُ على رأسه، فيُجعَلُ نصفَيْنِ، ويمشَّطُ بأمشاط الحديد ما دون لحمِه وعظمِه، ما يصدُّه ذلك عن دينه، واللهِ ليُتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموتَ، لا يخافُ إلا اللهَ، والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون».

     إن دراسة المراحل التي مر بها التشريع الإسلامي، ومراحل تنزل الآيات والأحكام، والتدرج في إعداد الأمة الإسلامية مهمٌ جداً للدعاة إلى الله، وللعاملين على إعادة إحياء الأمة من جديد؛ فالأمم لا تتغيَّر بين يوم وليلة، ولكن هذا التغيير يحتاج إلى جهد جهيد ووقت مديد، وإنَّ هذا الأصل أضاعه كثير من الدعاة اليوم، ورغبوا في أنْ يغيروا المجتمع في أيام معدودات، فلم يستطيعوا ذلك؛ لأن طبائع الناس لا تقبل مثل هذا التغيير الذي يتم بين عشية وضحاها.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة