أخبار سريعة
الأحد 21 اكتوبر 2018

الافتتاحية » من محاسن الشريعة سد الطرق المؤدية إلى الحرام

نسخة للطباعة

من محاسن الشريعة سد الطرق المؤدية إلى الحرام

      من محاسن الشريعة أنها منعت المحرمات، ثم سدت كل طريق يؤدي إلى هذا الحرام الممنوع، قال ابن القيم في (إعلام الموقعين): وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف؛ فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما مقصود لنفسه، والثاني وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين.

     وقاعدة سد الذرائع قاعدة معلومة في دين الإسلام، وإن كان بعضهم يقلل من أهميتها، إلا أن شأنها عظيم، وقد ذكر الإمام ابن القيم لهذه القاعدة شواهد كثيرة في كتابيه: إعلام الموقعين، وإغاثة اللهفان من مصائد الشيطان؛ حيث ذكر لها تسعة وتسعين شاهداً من الكتاب والسنة، ومن أشد ذلك الذرائع التي تفضي إلى الشرك والكفر أو البدعة.

     والأمثلة على ذلك كثيرة منها: لما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - قوماً يختلفون إلى الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان في الحديبية أمر بقطعها سداً لذريعة الشرك. وقال: إنما أهلك من كان قبلكم تتبعهم لآثار أنبيائهم. ولما فتح المسلمون بلاد تَسْتُر في المشرق وجدوا سريراً عليه ميت يزعمون أنه دانيال النبي، وكانوا يتبركون به ويستسقون به المطر؛ فأمر الخليفة - رضي الله عنه - بأن يحفر ثلاثة عشر قبراً في المقبرة ويدفن ليلاً في واحدٍ منها حتى يخفى على الناس مكان قبره ليسد عليهم وسيلة الشرك بالتعلق بهذا القبر والتبرك به كما هو الحاصل الآن مع قبور الأولياء والصالحين. 

     ومن ذلك نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التصوير وتعليق الصور ونصبها تماثيل وتعليقها؛ لأن ذلك سبب للشرك كما حصل لقوم نوح مع صور الصالحين، ولليهود مع صورة العجل، وقوم إبراهيم مع التماثيل، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً»، يعني مرتفعاً إلا سويته. ولما رأى - صلى الله عليه وسلم- في بيت عائشة -رضي الله عنها- قراماً على الجدار فيه تصاوير أبى أن يدخل البيت حتى أزيل. 

     ولا شك أن الشرك بالله أعظم ذنب عُصي الله به؛ فهو أظلم الظلم، وأكبر الكبائر، وما هلكت الأمم الغابرة إلا بالشرك، وما أرسل الله الأنبياء والمرسلين وأنزل عليهم الكتب بالحق المبين إلا للتحذير منه وبيان قبحه وشؤمه، ودعوة الناس إلى ضده ألا وهو تحقيق التوحيد لله رب العالمين.

ومن خطورة الشرك أن الله لا يغفر لمشرك مات على الشرك دون توبة، قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء: 48).

ومن خطره أن الله حرم الجنة على كل مشرك، قال -تعالى-:  {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (المائدة: 72).

ومن خطره أيضًا أنه يحبط جميع الأعمال التي يعملها العبد، وتصير هباءً منثورًا في يوم الدين، قال -تعالى-: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} (الزمر: 65 -66).

     ولا شك أن دور العلماء في الحفاظ على جناب التوحيد وسد الذرائع المؤدية إلى الشرك دور كبير وعظيم، والواجب على كل مسلم أُشكل عليه أمر من أمور دينه أو دنياه الرجوع إلى أهل العلم، وألا يقدم على أي عمل بجهل يقوده إلى الضلال، وعلى المسلمين أن يسألوا، وعلى أهل العلم أن يبينوا، قال -تعالى-: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (النساء:83)؛ فالواجب على الجميع التقيد بما شرعه الله ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة