أخبار سريعة
الأربعاء 21 نوفمبر 2018

الافتتاحية » الإعلام وأمانة الكلمة

نسخة للطباعة

الإعلام وأمانة الكلمة

     قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات­ 6)، إن في هذه الآية بيانًا واضحًا لمنهج القرآن في التعامل مع الأخبار، كيف نتلقاها؟ وكيف نتصرف عند سماعها؟ وفيها الأمر بالتأني وعدم التسرع بالعمل بمقتضى ما يتلقى من أخبار­ تأتي من شخص أو جهة حتى يتم التأكد من صحتها، وإلا كان الندم للاستعجال في اتخاذ المواقف، والتسرع في ردود الأفعال .

     والتحري في صحة خبر ما لا يعني بالضرورة تكذيبه أو تكذيب من نقله، ولاسيما إذا كان من أهل العدالة والديانة، وإنما يعني بالدرجة الأولى الاحتياط لما سيبنى عليه من مواقف، والخطاب الذي ورد في الآية موجه إلى المؤمنين وآمر لهم بالتحلي بالمنهج العلمي الذي يعتمد على التحري والتثبت فيما ينقل إليهم؛ فلا يصدقون خبرًا ويعملون بمقتضاه حتى يرد من جهات متعددة مثلاً أو يتحققون من صحته بوسائلهم.

      والمتابع للشأن العام يجد أن مجتمعنا اليوم يشهد تفشيَ إشهار وإذاعة الأخبار بصورة هائلة، والطيران بها ونشرها، دون التثبت من صحتها وكذبها، ودون تقدير لضرر نتائجها، وسوء عاقبتها، ولاسيما أمام هذا التطور الكبير لوسائل الاتصال الرقمية، فما إن تكتب معلومة صحيحة كانت أم مغلوطة، حتى تصل في ثوان معدودة إلى كافة أنحاء العالم، وهذا يفرض بالضرورة على كل مسلم التحلي بمبدأ التثبت والتبين في قبول الخبر ونشره.

     إن الخطورة تأتي من أن بعض وسائل الإعلام في عالمنا العربي تلعب على مشاعر الجماهير في كل الحالات، سواء كانوا على صواب أم خطأ، وهنا تفقد الوسيلة دورها التنويري والتوجيهي والإرشادي، ثم يأتي انتزاع الكثير من النصوص من سياقها وتقديمها للجمهور، أو تعظيم حالات فردية وتقديمها على أنها ظاهرة، فضلا عن إشاعة حالة من الإحباط العام، وهو من أخطر الأزمات التي يصدرها الإعلام للمشاهد.

     إن كثيرًا من الحروب يبدأ على شاشات التليفزيون قبل أن يبدأ على أرض الواقع، كما أن العلاقات بين الدول تديرها شاشات التليفزيون أحيانًا قبل السفارات والهيئات الدبلوماسية، بل إن الدبلوماسية في أوقات كثيرة تستنزف كثيرًا من طاقاتها في رتق الخرق وجبر الكسر، وإطفاء الحرائق التي يشعلها بعض الإعلاميين عبر الفضائيات العربية، وهم يقاتلون في قضايا وهمية، أو يسعون لمصالح ضيقة أو بطولة زائفة، بصرف النظر عن علاقات الشعوب ومصلحة الأمة.

     إن الإعلام في العالم العربي يجب ألا يكون صانعًا للأزمات أو مصدرًا لها، كما أن الأدوار المنوطة بوسائل الإعلام في أوطاننا لابد أن تتوافق وطبيعة الظروف المحيطة بالأمة، فضلاً عن السعي للبناء لا الهدم، وطرح القضايا الحقيقية، دون افتعال قضايا وهمية واللعب بمشاعر المشاهدين وعقولهم، وتغليب الصالح العام على المصالح الضيقة، هنا يستطيع الإعلام بحق أن يدير الأزمات، لا أن يصدرها ويقتات عليها.

     فالإعلام أمانة، والكلمة التي تصدر عبر وسائل الإعلام إما أن تكون سببا في البناء والتنمية والنهضة، أو سببًا في الهدم والدمار، قال الله -تعالى-: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (الأحزاب:72)، والأمانة في الآية عامة تشمل الأمانات جميعها، ومنها أمانة الكلمة، والكلمة تشمل كل أنواع الكلمات المنطوقة والمقروءة والمسموعة، ومن بينها الإعلام؛ لذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «المستشار مؤتمن» مشددا على أمانة الكلمة؛ لما لها من أهمية عظمى في علاقة الإنسان مع الآخرين، وهذا ما يجب أن يلتزم به الإعلام؛ بحيث يجعل من أمانة الكلمة منهجًا يحافظ عليه، وهدفًا يعمل للوصول إليه، وقيمة عليا وميثاق شرف ينبغي أن يلتزم به، في وقت تعصف فيه الفتن بالأمة من كل جانب.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة