أخبار سريعة
السبت 14 ديسمبر 2019

الافتتاحية » وحدة الكلمة ورصُّ الصفوف

نسخة للطباعة

وحدة الكلمة ورصُّ الصفوف

 

     دلَّت أصولُ الشريعة على تحريم كلِّ ما يُوجِبُ الفُرقةَ واختِلافِ الكلمة؛ فجاءَ النهيُ عن كل سبيلٍ قد يُؤدِّي إلى الفُرقةِ بين المُسلمين من سُوء الظنِّ، والحسَد، والتجسُّس، والنَّميمة، والرِّبا، وبيع المُسلم على بيع أخيه، وخِطبته على خِطبته، وتتبُّع عورتِه، والغِشِّ، وأمرَ الله بأطيَبِ الكلام، ونهَى عن سيِّئِه جمعًا للكلمة، ودفعًا لضِدِّه.

     وقد أمرنا الله -تبارك وتعالى- بالاجتماع، والائتلاف، ووحدة الكلمة، ورص الصفوف، ونبذ التنازع، والتفرق، والاختلاف، وترك الشقاق، قال -تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}(آل عمران: 103)، ويقول: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}(الصف: 4).

     ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : «عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ» (الترمذي (2165)). وعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه ، قَالَ: «الْزَمُوا هَذِهِ الطَّاعَةَ وَالْجَمَاعَةَ؛ فَإِنَّهُ حَبْلُ اللهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، وَأَنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ» (المعجم الكبير للطبراني (8973)).

 ولقد ابتليت الأمة الإسلامية في زماننا هذا بهذا الداء الوبيل والشر الكبير، داء الفرقة والاختلاف، وعدم الاتفاق على شيء، وكثرة المهاترات والتناحرات حتى على أمور بسيطة.

     تفتت الأمة وانقسمت شيعًا وطوائف، لقد نجح الشيطان في تفريق القلوب وشق الصفوف، ووصل إلى أعماقنا ودواخلنا، وزرع فيها الضغائن، والأحقاد، والكراهية، والحسد؛ فصرنا نختلف على أبسط الأشياء، ويهجر بعضنا بعضاً على أتفه الأمور، فضلاً عن التناحر والاقتتال، ولكنه رجس الشيطان وخبثه، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ يقول: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن رضي في التحريش بينهم».

 روي أن رجلاً أوصى أولاده عندما كان مودعاً للدنيا؛ فأخذ حزمة من الحطب، ثم أمرهم أن يكسروها وهي مجتمعة، فلم تنكسر واستعصت عليهم جميعاً، ثم فرقها عليهم؛ فكسروها بسهولة وبساطة؛ فقال لهم مودّعاً وموصياً:

كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى

                                   خطب ولا تتفرقوا آحاداً

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً

                                  وإذا افترقن تكسرت آحادا

وإن الناظر إلى تاريخ أمة الإسلام، يجد أن الأمة كانت عزيزة منتصرة، عندما كانت أمة واحدة مجتمعة حول كلمة التوحيد؛ فلما تفرقت وتنازعت، صارت في ذيل الأمم وآخر الركب، وحصل فيها ما حصل من مآس ونكبات، وذهاب للقوة، وتسلط الأمم عليها.

     إن المسلمين كلما حادوا عن دينهم حاق بهم ما وقع لأسلافهم في الأندلس وغيره، وإن ما وقع للمسلمين قديما وحديثا، كله بسبب انصرافهم عن دينهم؛ فيجب أن يكون ذلك لهم عبرة؛ فقد أبيدت أمم من المسلمين وسلبت بلادهم، وسبيت نساؤهم وأولادهم، وارتد من بقي منهم في تلك البلاد عن الإسلام، كما حصل في الأندلس؛ بسبب التفكك والاختلاف الذي نهاهم عنه دينهم، وحذرهم الله منه على لسان رسوله[، كما في حديث ثوبان، «وإني سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم؛ فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء؛ فإنّه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم؛ فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من في أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا».

     من هنا؛ فإننا يجب أن نعلم علم اليقين، أن الافتتان الداخلي فيما بيننا وتفتتنا ليس في مصلحتنا أبداً، وإنما هو لمصلحة أعدائنا، يقول الله -جل وعلا-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(الأنعام: 153).

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة