أخبار سريعة
الإثنين 16 يوليو 2018

مقالات » غـزوة مؤتـة: بداية الفتح الإسلامي وإنهيار دولة الرومان

للكاتب: المحرر الشرعي

نسخة للطباعة

غـزوة مؤتـة: بداية الفتح الإسلامي  وإنهيار دولة الرومان

 

كان مستغرباً جداً أن ينجح هذا الجيش الصغير في الصمود أمام ذلك الجيش الكبير من الروم

كانت هذه المعركة توطئة وتمهيداً لفتوح البلدان الرومانية، وفتح المسلمين الأراضي البعيدة النائية

 

وقعت غزوة مؤتة أو سرية مؤتة، في جمادى الأولى من العام الثامن للهجرة (أغسطس 629 م). وسبب هذه المعركة أن النبي صلى الله عليه وسلم  بعث الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه بكتابه إلى عظيم بُصْرَى، فعرض له شُرَحْبِيل بن عمرو الغساني وكان عاملاً على البلقاء من أرض الشام من قِبل قيصر فأوثقه رباطاً، ثم قدمه فضرب عنقه. وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، يساوي بل يزيد على إعلان حالة الحرب، فاشتد ذلك على النبي محمد صلى الله عليه وسلم  حين نقلت إليه الأخبار، فجهز إليهم جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي لم يجتمع مثله قبل ذلك إلا في غزوة الخندق.

وصية الرسول صلى الله عليه وسلم 

     أمَّر الرسول رعلى هذا البعث زيد ابن حارثة رضي الله عنه ، وقال: «إن قُتل زيد فجعفر رضي الله عنه ، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة -رضي الله عنه-، وعقد لهم لواءً أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة رضي الله عنه . وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير رضي الله عنه ، وأن يدعوا مَنْ هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم، وقاتلوهم، وقال لهم: «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: «اغزوا بسم الله وفي سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله اغزوا ولاتعتدوا ولاتغلوا ولاتمثلوا ولا تقتلوا وليداً» (حديث صحيح). وقد خرجت نساء المسلمين لتوديع أزواجهن وهن يقلن «ردكم الله إلينا صابرين» فرد عبد الله بن رواحه رضي الله عنه وقال: «أما أنا فلا ردني الله».

توديع الجيش

     ولما تهيأ الجيش الإسلامي للخروج حضر الناس، وودعوا أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسلموا عليهم، وحينئذ بكي أحد أمراء الجيش عبد الله بن رواحة رضي الله عنه فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا، ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} (مريم:71)، فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله بالسلامة، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة:

لكننـي أسـأل الرحمن مغفــرة

                                      وضربـة ذات فرع تقذف الزبـدا

أو طعنـة بيـدي حـران مجـهزة

                                      بحربة تنفذ الأحشـاء والكبـدا

حتى يقـال إذا مروا على جدثي

                                      أرشـده الله مـن غـاز وقد رشـدا

تحرك الجيش

     وتحرك الجيش الإسلامي وعددهم ثلاثة آلاف في اتجاه الشمال حتى نزل مَعَان، من أرض الشام، مما يلي الحجاز الشمالي، وحينئذ نقلت إليهم الاستخبارات بأن هرقل نازل بمآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لَخْم وجُذَام وبَلْقَيْن وبَهْرَاء وبَلِي مائة ألف، فهذه مئتا ألف.

المجلس الاستشاري

     لم يكن المسلمون أدخلوا في حسابهم لقاء مثل هذا الجيش العرمرم الذي بغتوا به في هذه الأرض البعيدة وهل يهجم جيش صغير قوامه ثلاثة آلاف مقاتل فحسب على جيش كبير عرمرم مثل البحر الخضم قوامه مائتا ألف مقاتل؟ حار المسلمون، وأقاموا في مَعَان ليلتين يفكرون في أمرهم، وينظرون ويتشاورون، ثم قالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. ولكن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه عارض هذا الرأي، وشجع الناس، قائلاً: يا قوم والله إن التي تكرهون لَلَّتِي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة. وأخيراً استقر الرأي على ما دعا إليه عبد الله بن رواحة رضي الله عنه .

نحو العدو

وحينئذ بعد أن قضى الجيش الإسلامي ليلتين في معان، تحركوا إلى أرض العدو، حتى لقيتهم جموع هرقل بقرية من قرى البلقاء يقال لها (شَارِف) ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى مؤتة فعسكروا هناك، وتعبؤوا للقتال، فجعلوا على ميمنتهم قُطْبَة بن قتادة العُذْرِي  رضي الله عنه ، وعلى الميسرة عبادة بن مالك الأنصاري رضي الله عنه .

بدء القتال

     اختار المسلمون بقيادة زيد بن حارثة رضي الله عنه ، الهجوم على المشركين، وتم الهجوم بعد صلاة الفجر، وكان اليوم الأول هجوما قويا، وبدأ القتال المرير، ثلاثة آلاف رجل يواجهون هجمات مائتي ألف مقاتل. وكان في صالح المسلمين؛ لأن الروم والغساسنة لم يتوقعوا من جيش صغير البدء بالهجوم، وفي اليوم الثاني بادر المسلمون أيضا بالهجوم وكان من صالح المسلمين، وقتل كثير من الروم وحلفائهم. أما في اليوم الثالث فقد بادر الروم بالهجوم وكان أصعب وأقوى الأيام، فحينما أخذ الراية زيد بن حارثة رضي الله عنه جعل يقاتل بضراوة بالغة، فلم يزل يقاتل حتى شاط في رماح القوم، وخر صريعاً. وحينئذ أخذ الراية جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وطفق يقاتل قتالاً منقطع النظير، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها، ثم قاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، ولم يزل بها حتى قطعت شماله، فاحتضنها بعضديه، فلم يزل رافعاً إياها حتى قتل. يقال إن رومياً ضربه ضربةً قطعته نصفين، وأثابه الله بجناحيه جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء، ولذلك سمي بجعفر الطيار، وبجعفر ذي الجناحين.؛ فعدت به خمسون بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في ظهره. ثم أخذ الراية عبدالله بن رواحه ]. وتقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، حتى حاد حيدة ثم قال:

أقسمت يا نفس لتنزلنه

                                     إن أجلب الناس وشدوا الرنة

كارهة أو لتطاوعنه

                                     مالي أراك تكرهين الجنة

ثم نزل فأتاه ابن عم له بعَرْق من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهس منه نَهْسَة، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم، فقاتل حتى قُتل.

الراية إلى سيف من سيوف الله

      وحينئذ تقدم رجل من بني عَجْلان اسمه ثابت ابن أقرم  رضي الله عنه فأخذ الراية وقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد رضي الله عنه ، فلما أخذ الراية قاتل قتالاً مريراً، فقد روى البخاري عن خالد بن الوليد رضي الله عنه  قال: «لقد انقطَعَتْ في يدِي يومَ مُؤتَةَ تسعةُ أسيافٍ، فما بَقِيَ في يدِي إلا صفيحةٌ يَمانِيَّةٌ»وقد قال النبي يوم مؤتة مخبراً بالوحي، قبل أن يأتي إلى الناس الخبر من ساحة القتال: أن النبيَّ صلىالله عليه وسلم نعى زيدًا وجعفرًا وابنَ رواحةَ للناسِ قبلَ أن يأتيَهم خبرُهم، فقال: «أخذ الرايةَ زيدٌ فأصيبَ، ثم أخذَ جعفرٌ فأصيبَ، ثم أخذ ابنُ رواحةَ فأصيبَ. وعيناه تذرِفان: حتى أخذ الرايةَ سيفٌ من سيوفِ اللهِ، حتى فتحَ اللهُ عليهم».

نهاية المعركة

     وكان مستغرباً جداً أن ينجح هذا الجيش الصغير في الصمود أمام ذلك الجيش الكبير من الروم، ففي ذلك الوقت أظهر خالد بن الوليد رضي الله عنه مهارته في تخليص المسلمين مما لقوه في تلك المعركة. واختلفت الروايات كثيراً فيما آل إليه أمر هذه المعركة أخيراً. ويظهر بعد النظر في جميع الروايات أن خالد بن الوليد رضي الله عنه نجح في الصمود أمام جيش الرومان طول النهار، في أول يوم من القتال. وكان يشعر بمسيس الحاجة إلى مكيدة حربية تلقي الرعب في قلوب الرومان حتى ينجح في الانحياز بالمسلمين من غير أن يقوم الرومان بحركات المطاردة. فقد كـان يعرف جيداً أن الإفلات من براثنهم صعب جداً لو انكشف المسلمون، وقام الرومان بالمطاردة.

فلما أصبح اليوم الثاني اعتمد خالد بن الوليد رضي الله عنه في خطته على الحرب النفسية؛ حيث أمر عدداً من الفرسان بإثارة الغبار خلف الجيش، وتعلو أصواتهم بالتكبير والتهليل كذلك قام بتبديل الرايات وغير أوضاع الجيش، وعبأه من جديد، فجعل مقدمته ساقة، وميمنته ميسرة، وعلى العكس، فلما رآهم الأعداء أنكروا حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فرعبوا، وصار خالد رضي الله عنه بعد أن تراءى الجيشان وهجم على الروم وقاتل حتى وصلوا إلى خيمة قائد الروم ثم أمر خالد رضي الله عنه بانسحاب الجيش بطريقة منظمة وأخذ يتأخر بالمسلمين قليلاً قليلاً، مع حفظ نظام جيشه، ولم يتبعهم الرومان ظناً منهم أن المسلمين يخدعونهم، ويحاولون القيام بمكيدة ترمي بهم في الصحراء ولم يتبعوا خالدا رضي الله عنه في انسحابه. وهكذا انحاز العدو إلى بلاده، ولم يفكر في القيام بمطاردة المسلمين، ونجح المسلمون في الانحياز سالمين، حتى عادوا إلى المدينة.

قتلى الفريقين

استشهد آنذاك من المسلمين قرابة اثنى عشر رجلاً، أما الرومان فقتل منهم ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمسون رجلاً.

كيف استقبل النبي وأهل المدينة الجيش؟

     لما دنوا من حول المدينة تلقاهم الرسول والمسلمون، قال ولقيهم الصبيان يشتدون والرسول مقبل مع القوم على دابة فقال «خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر. فأتى بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه. قال وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله، قال فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله».

أثر المعركة

     وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على النصر والظفر المطلوب، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين، إنها ألقت العرب كلهم في الدهشة والحيرة، فقد كانت الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض، وكانت العرب تظن أن مجرد التفكير في قتال الرومان هو القضاء على النفس وطلب الموت المحقق، فكان لقاء هذا الجيش الصغير ثلاثة آلاف مقاتل مع ذلك الجيش الكبير مائتا ألف مقاتل ثم الرجوع عن الغزو من غير أن تلحق به خسارة تذكر، يعد غريبا. وكانت هذه المعركة بداية اللقاء الدامي مع الرومان، فكانت توطئة وتمهيداً لفتوح البلدان الرومانية، وفتح المسلمين الأراضي البعيدة النائية

 أسماء الشهداء

1.زيد بن حارثة

2.جعفر بن أبي طالب

3.عبد الله بن رواحة

4.مسعود بن الأسود

5.وهب بن سعد

6.عباد بن قيس

7.عمرو بن سعد

8.الحارث بن النعمان

9.سراقة بن عمرو

10.أبو كليب بن عمرو

11.جابر بن عمرو

12.عامر بن سعد

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة