أخبار سريعة
الثلاثاء 21 يناير 2020

مقالات » الزواج على المذهب الحنفي بين الشرع والواقع

للكاتب: القاهرة: د. أحمد عبدالحميد

نسخة للطباعة

الزواج على المذهب الحنفي بين الشرع والواقع

برغم شيوع المذهب الشافعي بين أهل مصر إلا أنه منذ دخولها تحت الحكم العثماني قد أخذت بمذهب الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- والذي كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية

 المذهب الحنفي في الزواج لا يشترط إذن ولي المرأة في تزويجها ويكتفي بركنية الإيجاب والقبول للحكم بصحة العقد بين الزوجين

يلجأ الكثير من الرجال إلى غواية الضعيفات من النساء فيعمدون إلى الزواج بهذه الطريقة بعيداً عن أهل المرأة وربما بلا توثيق رسمي مما يخل بالغرض الشرعي من الزواج

 ينبغي على العلماء والدعاة الانتباه إلى هذه المشكلات ومعالجتها بواقعية في ضوء فهم رشيد لأحكام الشرع ومقاصده والاجتهاد المنضبط في ما استجد من مشكلات

 

(على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان وعلى الصداق المسمى بيننا)، جملة تكاد تكون محفورة في أذهان المصريين ممن يشهدون عقود الزواج من كثرة وترديدها، وربما لا يدرك الأكثرون خلفيتها وأبعادها الشرعية والواقعية.

     فبرغم شيوع المذهب الشافعي بين أهل مصر فيما يتعلق بأمور العبادات، إلا أن مصر منذ دخولها تحت الحكم العثماني قد أخذت بمذهب الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- الذي كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية، ولما خرجت مصر عن الدولة العثمانية كان كل القضاة يحكمون في المحاكم بالمذهب الحنفي، ولم توجد حاجة لتغيير المذهب الحنفي إلى سنة 1925م عندما وضعت مجموعة قوانين للأحوال الشخصية للطلاق والزواج والنسب والحضانة والرضاع والنفقة وغيرها. وقد صيغت هذه القوانين وفقا للشريعة الإسلامية وكان الأساس فيها مذهب الإمام أبي حنيفة وغيره من المذاهب الأخرى، ثم تطورت هذه المجموعة القانونية عبر السنين إلى أن صدر القانون الأخير الذي جمع بين هذه القوانين كلها في سياق واحد، وقد قرر في غضون هذا القانون أنه إذا وردت أو وجدت مسألة ليس فيها نص واضح في القانون أن يكون المرجع فيها إلى الراجح من مذهب الإمام أبى حنيفة ،ومازالت المحاكم المصرية إلى الآن تحكم وترجح -إذا فقدت النص في القانون- مذهب الحنفية في الميراث وفي الوصية وفي مايتعلق بالأحوال الشخصية كلها.

أصل المشكلة

     لو أن الأمر توقف على حد التزام مذهب فقهي معين وضبط القوانين من خلاله فليس ثمة إشكال كبير، إلا أن تعقد الأوضاع الاجتماعية وتغير شكل الدولة المعاصرة ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، وعلاقاتها الدولية والاتفاقيات التي تلتزم بها الدول في مجالات حقوق الإنسان جعل الأمر ينتقل من حيز الخلاف الفقهي السائغ إلى دائرة غاية في الخطورة.

     إن نظام الدول المعاصرة يميل إلى تفكيك الروابط الأهلية والقبلية والعائلية والدينية والمذهبية لصالح سلطة مطلقة للدولة تسمح لها بفرض نظام عام بسلطة القانون يتجاوز الأعراف والروابط الداخلية في المجتمع ولا يسمح بوجود كيانات موازية داخل الدولة، وهذا الأمر -على ما عليه من تحفظات- في حد ذاته قد يكون مفهوماً من جهات عدة ولاسيما مع تعقد الأنظمة الدولية والهيئات العالمية الكبرى التي تسعى للسيطرة على الدول بتفكيكها لصالح ثقافات وقيم غريبة عنها، وفرض نمط العولمة بكافة صورها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية؛ ومع ذلك فإحكام الدول سيطرتها على مجتمعاتها الداخلية يظل حتى الآن به العديد من الثغرات ليس المجال لتفصيلها، وتبقى هناك مساحة للأفراد في التحايل على القانون سوء استغلالها، أو حتى الحياة بعيداً عنها بالكلية في الدول مترامية الأطراف، ولاسيما تلك التي تضم مناطق ذات طابع قبلي أو اجتماعي مغلق ليس لنظام الدولة إحكام كامل عليه، هذه المقدمة مهمة لفهم طبيعة المشكلة المتعلقة بالزواج على المذهب الحنفي الذي أفرزه الواقع المعاصر بمتغيراته العديدة.

المذهب الحنفي في الزواج

     خلاصة الأمر في المذهب الحنفي في الزواج أنه لا يشترط إذن ولي المرأة في تزويجها ،ويكتفي بركنية الإيجاب والقبول للحكم بصحة العقد بين الزوجين، مع اشتراط الإشهار الذي يكفي فيه شهادة شاهدين دون اشتراط للعدالة، فضلاً عن اشتراط الكفاءة في الزوج، ويعطي لأولياء الزوجة الحق في التفريق بين الزوجين إذا لم يتحقق شرط الكفاءة في أوصافها المختلفة.

     وعدم إذن الولي في الزواج يحكم ببطلانه عند جماهير العلماء سواء وقع الدخول أم لا، مع إثبات صحة النسب والحق في المهر للزوجة ولاسميا إذا صحح هذا العقد قاض شرعي يلتزم المذهب الحنفي، ويستند جمهور العلماء في ذلك إلى ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم  في قوله: «أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل –ثلاث مرات- فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له»، وقوله صلى الله عليه وسلم : «لا نكاح إلا بولي».

     والمجال هنا ليس لتفصيل مسوغات اجتهاد الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- وتلامذته مع هذه الأحاديث سواء برد بعضها، أو بتأويلها، أو بطبيعة البيئة الاجتماعية التي ترسخ فيها هذا المذهب.

بين الشرع والتطبيق

     الإشكال الحقيقي في هذه المسألة ينبع من التطبيقات الواقعية لهذا الاختيار وما يترتب عليه من مشكلات معقدة داخل المجتمع الواحد، فضلاً عما يحدث من تداخلات اجتماعية بالزواج بين أهل البلاد المختلفة لسهولة الانتقال والتواصل في واقعنا المعاصر، ويضاعف حجم المشكلة مسألة الاتفاق بين أهل العلم على عدم اشتراط التوثيق المكتوب لعقد الزواج للحكم بصحته، وهو الزواج الذي اصطلح عليه المعاصرون بالزواج العرفي الصحيح الذي تحققت أركانه وشروطه وإن لم يتم توثيقه، وهي المسألة التي لم تكن ذات خطر كبير في الماضي، إلا أن المشكلات الناجمة عن عدم التوثيق الرسمي للزواج تعد من المشكلات الحادثة التي تحتاج إلى اجتهاد يتناسب مع تغير طبيعة المجتمعات المعاصرة.

     والمراقب للمجتمعات الإسلامية يرى فيها بوضوح تدهوراً أخلاقياً حاداً يزداد بمرور الوقت، يخف فيه الضبط الشرعي في العلاقات الاجتماعية، وتنحرف فيه منظومة القيم الأخلاقية مع موجات الإفساد والانحلال العالمية التي يروج لها الإعلام والمنظمات المشبوهة التي تدفع الجميع بلا استثناء تجاه الانحلال الأخلاقي الكامل، ولاسيما مع تركز هذه الجهود الإفسادية نحو المرأة

     وتنعكس هذه الأزمة الأخلاقية على تماسك الأسر، وحسن تربية الأبناء، وانضباط بيئات العمل والدراسة وما فيها من اختلاط غير منضبط شرعاً، كل ما سبق، فضلاً عن تردي الأحوال الاقتصادية في بعض مجتمعاتنا المسلمة، أو الحالة الترفية في بعضها؛ كان له انعكاس مباشر على العلاقة بين الرجال والنساء، وعلى منظومة الزواج بصفة خاصة، وهي المنظومة الوحيدة المشروعة لتحصيل الشهوة المباحة، وعليها تبنى الأسر السليمة ومن ثم المجتمعات الصحيحة الخالية من التشوهات والشذوذات والانحرافات الأخلاقية.

أزمة المرأة المسلمة في مجتمعاتنا المعاصرة

     وتجد المرأة المسلمة نفسها – على تفاوت درجة التزامها بالشرع- بين رياح فتن عاصفة، من قلة ديانة بعض الأولياء الذين يعضلونها عن الزواج إهداراً لمصلحتها المعتبرة وإعلاء لمصالح خاصة بهم، أو أعراف اجتماعية ظالمة، أو تعرضت لظلم أسري أو اجتماعي، وفي الوقت نفسه تجد نفسها قد تعلمت وطالعت وسائل الإعلام وما فيها من صور انحراف، وربما خرجت لسوق العمل، أو سافرت للدراسة أو غير ذلك، أو تعرض لها غير ذوي الديانة من الرجال، كل ذلك يجعلها عرضة للوقوع في حبائل مشكلات لا حصر لها بداية من الزواج بغير إذن أوليائها سواءا بعلمهم أو أم بالسر، وانتهاء بظلم تتعرض له من رجال يعبثون بدينها وعاطفتها وربما تجد نفسها في نهاية الطريق مطلقة ضائعة لا حصلت على ما تريد ولا حافظت على استقرارها بين أهلها وما يفترض أن يوفرونه لها من حماية من الابتذال والانتهاك.

ترخص مذهبي أم تحايل وكوارث محققة

     يلجأ الكثير من الرجال إلا من رحم الله إلى التخفف أو التملص بالكلية من الالتزامات الشرعية والاجتماعية وربما القانونية، فيعمدون إلى غواية الضعيفات من النساء سواءً في بلادهم أم في  بلاد أخرى؛ فيعمدون إلى الزواج بهذه الطريقة بعيداً عن أهل المرأة وربما بلا توثيق رسمي؛ مما يخل بالغرض الشرعي من الزواج وقيمته المعتبرة وتكون النتيجة ملايين المطلقات، والأبناء المظلومين الذين يتعرضون لإنكار نسبهم أو الامتناع عن النفقة عليهم ورعايتهم؛ فتعلق حياتهم بين أروقة المحاكم لسنين طويلة ويعانون أشد المعاناة في الحصول على الرعاية الصحية والتطعيمات اللازمة أو الالتحاق بالمدارس أو حتى دور الحضانة، فيكثر أن يكون مصيرهم التشرد في الطرقات أو في سجون الأحداث الذين تم استغلالهم في ارتكاب مختلف الجرائم، أو يقعون ضحية لمنظمات التنصير وخطف الأطفال وتجارة الأعضاء، أو في أحسن الأحوال ينتهي بهم الأمر في دور رعاية مجهولي النسب واللقطاء التي تضم ما يزيد عن عشرة آلاف طفل بحسب آخر الإحصاءات؛ ففى إحصائية أخيرة لمحاكم الأسرة المصرية ثبت أن عدد دعاوى (نفى النسب) قد وصل لـ5 آلاف قضية جديدة في 2016 فقط، وقريب من هذا العدد في عام 2015، ليرتفع عدد القضايا العالقة والمنظورة أمام القضاء في عام 2016 إلى 17 ألف قضية، ولا يقتصر الأمر فيها على مجرد إنكار نسب الأطفال بل يتعداه إلى اتهامات متبادلة بالزنا للخروج من المأزق القانوني؛ مما يدمر سمعة الرجال والنساء، ويهدد هؤلاء الأطفال بوصمة عار تلحقهم طوال حياتهم، خصوصاً مع ما قرره القضاء المصري مؤخراً في إبريل 2015 من إتاحة استصدار بطاقة ميلاد مؤقتة للأطفال المختلف على نسبهم؛ بحيث تصدرها الأم وتنسب الولد إلى أبيها أو أي اسم آخر، حتى يتمكن من الحصول على الرعاية الصحية اللازمة والالتحاق بالدراسة، لكنه لا يتمتع بأي حقوق أخرى من نفقة أو ميراث أو معاش لأبيه إلى حين فصل قضية النسب المرفوعة.

 

الدور الخبيث للإعلام والمنظمات النسائية

 

     حينما تنظر إلى الإعلام وتحركات المنظمات النسائية لا تجد من يعبأ لهذا الأمر، ففي الإعلام تعد هذه القضايا وسيلة للإثارة والإلهاء خاصة إذا تعلقت بأحد المشهورين من السياسيين أو الفنانين أو لاعبي الكرة، بينما تظل المنظمات النسائية تدفع باتجاه تحرير المرأة من قيود الشرع، وتسعى في الدعاية لنمط المرأة القوية المستقلة مادياً عن أهلها وزوجها، أو قضايا الختان والحجاب، أو رفع السن القانوني للزواج، أو حرية المرأة في قيادة السيارات أو السفر بغير إذن زوجها، وإشاعة الأنماط السلوكية المتحررة التي تخدم أهداف المنظمات الدولية المشبوهة الداعمة لهذه المنظمات المحلية.

     وفي الختام ينبغي على حكام دول المسلمين إلى الانتباه إلى هذه المشكلات الخطيرة وسن القوانين الشرعية التي تنظم العلاقات الاجتماعية وتفض النزاعات والخصومات بعيداً عن الهوس الإعلامي بإشاعة الفحشاء والتلذذ بالفضائح، كما ينبغي الانتباه إلى الدور الخبيث الذي تؤديه المنظمات النسائية التي لا تقيم بالاً بالمشكلات الحقيقية التي تعانيها النساء ولاسيما الأرامل والمطلقات والمرضى وكبار السن، وتكتفي بالعمل وفق أجندات التغريب وتفكيك المجتمعات

     كما ينبغي على ولاة الأمور حسن الاهتمام ببناتهم ورعايتهم وتقوى الله في الأمانة التي استرعاهم الله فيها، والسعي لتزويج بناتهم إلى الأكفاء ذوي الديانة، ومعرفة مشكلات بناتهم ومعالجتها وعدم تركهن فريسة لكل عابث يغويهن إما بالهروب من أسرهم أو الخروج على نظام الأسرة وتقطيع الأرحام بالزواج رغماً عن أسرهم أو الزواج سراً

     كما ينبغي على العلماء والدعاة الانتباه إلى هذه المشكلات ومعالجتها بواقعية في ضوء فهم رشيد لأحكام الشرع ومقاصده، والاجتهاد المنضبط في ما استجد من مشكلات وعدم الوقوف على ساحل التقليد الأعمى، والخلافات المذهبية دون إدراك للآثار الاجتماعية والأخلاقية المترتبة على تفكك منظومة الفتوى والقضاء الشرعي، ونسأل الله أن يحفظ بنات المسلمين ومجتمعاتنا من شر كل ذي شر، والحمد لله رب العالمين

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة