أخبار سريعة
الخميس 13 مايو 2021

مقالات » الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - الأحكام المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام - لزوم صيانة الإنسان نفسه وعرضه

للكاتب: د.وليد خالد الربيع

نسخة للطباعة

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - الأحكام المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام - لزوم صيانة الإنسان نفسه وعرضه

 

قال الله -تعالى-: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} سورة يوسف:(82)، قال القرطبي: «قوله -تعالى-: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير} حققوا بها شهادتهم عنده، ورفعوا التهمة عن أنفسهم لئلا يتهمهم. فقولهم: واسأل القرية أي أهلها؛ فحذف، ويريدون بالقرية مصر»، فيستفاد من الآية الكريمة (لزوم صيانة الإنسان نفسه وعرضه)، بالبعد عن أماكن التهم، ورد الاتهامات الباطلة التي تقدح في دينه وعرضه.

  

     قال القرطبي: «في هذه الآية من الفقه أن كل من كان على حق، وعلم أنه قد يظن به أنه على خلاف ما هو عليه أو يتوهم أن يرفع التهمة وكل ريبة عن نفسه، ويصرح بالحق الذي هو عليه، حتى لا يبقى لأحد متكلم»، وفي الحديث المشهور عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الْحَلال بَيِّنٌ، وَإن الْحَرَام بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أمور مُشتبهَاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام». الحديث متفق عليه.

قال ابن رجب: «وَمَعْنَى اسْتَبْرَأَ: طَلَبَ الْبَرَاءَةَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ مِنَ النَّقْصِ وَالشَّيْنِ، وَالْعِرْضُ: هُوَ مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَمَا يَحْصُلُ لَهُ بِذِكْرِهِ بِالْجَمِيلِ مَدْحٌ، وَبِذِكْرِهِ بِالْقَبِيحِ قَدْحٌ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ تَارَةً فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ، وَتَارَةً فِي سَلَفِهِ، أَوْ فِي أَهْلِهِ.

اجتناب المشتبهات

     فمَنِ اتَّقَى الْأُمُورَ الْمُشْتَبِهَةَ وَاجْتَنَبَهَا، فَقَدْ حَصَّنَ عِرْضَهُ مِنَ الْقَدْحِ وَالشَّيْنِ الدَّاخِلِ عَلَى مَنْ لَا يَجْتَنِبُهَا، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ الشُّبُهَاتِ، فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْقَدْحِ فِيهِ وَالْطَّعْنِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمِ، فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْبَرَاءَةِ لِلْعِرْضِ مَمْدُوحٌ كَطَلَبِ الْبَرَاءَةِ لِلدِّينِ».

موقف نبوي حكيم

     وتأمل هذا الموقف النبوي الحكيم في دفع التهم وتربية الصحابة الكرام والأمة على حسن الظن بالمسلمين وسلامة الصدر لهم، عن صفية بنت حيي -رضي الله عنها-، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدَّثته، ثم قمتُ لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في بيت أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأَيَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسرَعا في المشي، فقال: «على رِسلكما إنما هي صفية بنت حيي»، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خفتُ أن يقذف في قلوبكما شرًّا، أو قال: شيئًا». متفق عليه.

فوائد الحديث

     قال النووي مبينا فوائد الحديث: «فيه استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس في الإنسان وطلب السلامة والاعتذار بالأعذار الصحيحة، وأنه متى فعل ما قد ينكر ظاهره مما هو حق وقد يخفى أن يبين حاله ليدفع ظن السوء، وفيه الاستعداد للتحفظ من مكايد الشيطان فإنه يجرى من الإنسان مجرى الدم فيتأهب الإنسان للاحتراز من وساوسه وشره».

حماية السمعة والعرض

     وأمر - صلى الله عليه وسلم - بحماية السمعة والعرض ولو ببذل المال فقال -عليه الصلاة والسلام-: «ذبوا (أي: ادفعوا) عن أعراضكم بأموالكم» أخرجه الخطيب البغدادي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، وفيه زيادة: قالوا: وكيف؟ قال: «تعطون الشاعر ومن تخافون لسانه». وصححه الألباني، وإذا تساهل الإنسان بهذا الأمر فقد عرض نفسه لسوء الظن به وللغيبة والقدح، وأسقط حقه بالاحترام وكف اللسان عنه، فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء الظن به».

وَقَالَ الْحَسَنُ: «مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ التُّهَمَةِ لَمْ يَكُنْ أَجْرُ لِلْغِيبَةِ».

قال ابن مفلح: «وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا فَعَلَ مَا لَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ سَقَطَ حَقُّهُ وَحَرَّمْتُهُ».

وقال محمد بن حزم الباهلي:

ومن دعا الناس إلى ذمه

                                 ذموه بالحق وبالباطل

اجتناب سوء الظن

     ومعلوم أن الله -تعالى- أمر باجتناب سوء الظن في قوله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن}، قال ابن كثير: «يَقُول -تعالى- نَاهِيًا عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ عَنْ كَثِير مِنْ الظَّنّ وَهُوَ التُّهْمَة وَالتَّخَوُّن لِلْأَهْلِ وَالْأَقَارِب وَالنَّاس فِي غَيْر مَحَلِّهِ ، لِأَنَّ بَعْض ذَلِكَ يَكُون إِثْمًا مَحْضًا فَلْيُجْتَنَبْ كَثِيرٌ مِنْهُ اِحْتِيَاطًا».

الظن أنواع

إلا أن النصوص دلت على أن الظن أنواع:

الظن الواجب

فمنه الظن الواجب كحسن الظن بالله -تعالى- وحسن الظن بالمسلم المستقيم، ومنه الظن المحرم كسوء الظن بالله -تعالى- وكذلك سوء الظن بالمسلمين، قال القرطبي: «وَأَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الظَّنّ الْقَبِيح بِمَنْ ظَاهِره الْخَيْر لَا يَجُوز».

الظن المباح

     ومنه الظن المباح: وهو الذي يعرض في القلب بسبب يوجب الريبة، قال القرطبي: «وأكثر العلماء على أَنَّهُ لَا حَرَج فِي الظَّنّ الْقَبِيح بِمَنْ ظَاهِره الْقبح»، فقد عقد البخاري في صحيحه في كتاب الأدب ترجمة بعنوان (باب ما يجوز من الظن) ثم ذكر حديث عائشة قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا» وفي رواية: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان ديننا الذي نحن عليه «. قال الليث: كانا رجلين من المنافقين .

قال ابن حجر: «وحاصل الترجمة أن مثل هذا الذي وقع في الحديث ليس من الظن المنهي عنه؛ لأنه في مقام التحذير من مثل من كان حاله كحال الرجلين، والنهي إنما هو عن ظن السوء بالمسلم السالم في دينه وعرضه».

من الضروريات التي يجب الحرص عليها

     فالحاصل أن حماية العرض والسمعة من الضروريات التي يلزم المسلم الحرص عليها باكتساب الفضائل من جهة، وبالعلم النافع والعمل الصالح والخلق القويم، وباجتناب الرذائل من جهة أخرى، بالبعد عن الفواحش والكبائر، والبعد عن مواطن التهم وأماكن الشبهة، ولو حصل لبس فيلزمه التوضيح وإزالة الريب، فلا يعطي الناس مسوغا لسوء الظن به ولا الجرأة على غيبته واستحلال عرضه بما قدمت يداه.

     قال الشيخ ابن عثيمين في فوائد قوله -تعالى-: {وأدنى ألا ترتابوا} من آية الدين: «أنه ينبغي للإنسان إذا وقع في محل قد يستراب منه أن ينفي عن نفسه ذلك. لا تقل: إن الناس يحسنون الظن بي، ولن يرتابوا في أمري، لا تقل هكذا، لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فربما لا يزال يوسوس في صدور الناس حتى يتهموك بما أنت منه بريء».

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة