أخبار سريعة
الخميس 13 مايو 2021

مقالات » الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - بعض الأحكام الفقهية المستفادة من سورة الكهف

للكاتب: د.وليد خالد الربيع

نسخة للطباعة

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - بعض الأحكام الفقهية المستفادة من سورة الكهف


قال -تعالى-: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} (سورة الكهف:18)، هذه الآية الكريمة في سياق قصة أصحاب الكهف واعتزالهم لقومهم بأبدانهم وأديانهم، ولجوئهم للكهف وبيان حفظ الله سبحانه لهم.

     قال ابن سعدي: «{وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} أي: تحسبهم أيها الناظر إليهم كأنهم أيقاظ، والحال أنهم نيام، قال المفسرون: وذلك لأن أعينهم منفتحة، لئلا تفسد، فالناظر إليهم يحسبهم أيقاظا، وهم رقود، {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} وهذا أيضا من حفظه لأبدانهم، لأن الأرض من طبيعتها، أكل الأجسام المتصلة بها، فكان من قدر الله، أن قلبهم على جنوبهم يمينا وشمالا، بقدر ما لا تفسد الأرض أجسامهم، والله -تعالى- قادر على حفظهم من الأرض، من غير تقليب، ولكنه -تعالى- حكيم، أراد أن تجري سنته في الكون، ويربط الأسباب بمسبباتها.

     {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} أي: الكلب الذي كان مع أصحاب الكهف، أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته، فكان باسطا ذراعيه بالوصيد، أي: الباب، أو فنائه، هذا حفظهم من الأرض. وأما حفظهم من الآدميين، فأخبر أنه حماهم بالرعب، الذي نشره الله عليهم، فلو اطلع عليهم أحد، لامتلأ قلبه رعبا».

حكم اقتناء الكلاب

     ذكر الله -تعالى- أن مع أصحاب الكهف كلبا، وأضافه إليهم مما يقتضي ملكيتهم له، ولم يعقب على ذلك بعدم الجواز، مما قد يفهم منه جواز اقتناء الكلب، استنادا إلى أنه شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا: هو الأحكام التي شرعها الله -تعالى- للأمم السابقة وجاء بها الأنبياء السابقون، كشريعة إبراهيم وموسى وعيسى -عليهم الصلاة والسلام.

شرع من قبلنا

     ومعلوم أنه إذا ثبت شرع من قبلنا بطريق صحيح، وثبت أنه شرع لنا فهو شرع لنا إجماعا، وما نسخته شريعتنا فليس شرعا لنا إجماعا، وما لم يرد به كتاب ولا سنة فليس شرعا لنا أيضا بالإجماع، بقي إذا محل الخلاف بين العلماء، وهو ما صح من شرعِ من قبلنا من طريق الوحي من كتاب أو سنة، وليس من كتبهم المحرفة، من غير إنكار ولا إقرار لها، فهل هذا شرع لنا أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك، وأظهر الأقوال هو قول الجمهور وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ، ويكون قد ورد من طريق وحي لا من طريق كتبهم المحرفة.

الاحتجاج بالآية

وعلى هذا فلا يصح الاحتجاج بهذه الآية الكريمة على جواز اقتناء الكلاب مطلقا لورود النهي الصحيح الصريح عن ذلك:

     فعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان». أخرجه مسلم، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط». متفق عليه، وعن ابن عمر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَيُّما أهْلِ دارٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا، إلَّا كَلْبَ ماشِيَةٍ، أوْ كَلْبَ صائِدٍ، نَقَصَ مِن عَمَلِهِمْ كُلَّ يَومٍ قِيراطانِ». أخرجه مسلم.

قال القرطبي: «وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها، لا الذي يحفظها في الدار من السراق. وكلب الزرع هو الذي يحفظها من الوحوش بالليل أو بالنهار لا من السراق. وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع».

اختلاف الفقهاء

وقد اختلف الفقهاء في حكم اقتناء الكلب على مذهبين:

المذهب الأول

     حرمة الاقتناء لغير حاجة، وجواز اقتنائه للصيد أو الزرع أو الماشية: وهو مذهب الجمهور، استدلالا بظاهر الأحاديث المتقدمة في ترتيب الوعيد على الاتخاذ مما يدل على الحرمة، لأن التوعد بنقصان الأجر يكون على ترك واجب أو ارتكاب محرم، فدل على حرمة اقتناء الكلب بلا حاجة.

المذهب الثاني

     كراهة اتخاذ الكلاب لغير حاجة: وهو مذهب المالكية، قَالَ ابن عَبْدِ الْبَرِّ: «فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ حَافِظٍ، وَكَرَاهَةُ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ»، واستدل على ذلك بقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ» أَيْ: مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ مَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اتِّخَاذَهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ اتِّخَاذُهُ مُحَرَّمًا امْتَنَعَ اتِّخَاذُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ نَقَصَ الْأَجْرُ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَهَا مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ».

ولم يرتض الحافظ ابن حجر هذا الاستدلال فقال: «وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّحْرِيمِ وَاسْتَنَدَ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ تَقَعُ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ بِمِقْدَارِ قِيرَاطٍ مِمَّا كَانَ يَعْمَلُهُ مِنَ الْخَيْرِ لَوْ لَمْ يَتَّخِذِ الْكَلْبَ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِاتِّخَاذُ حَرَامًا وَالْمُرَادُ بِالنَّقْصِ أَنَّ الإثم الْحَاصِلَ بِاتِّخَاذِهِ يُوَازِي قَدْرَ قِيرَاطٍ أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْرٍ فَيَنْقُصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِ الْمُتَّخِذِ قدر مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْإِثْم باتخاذ وَهُوَ قِيرَاطٌ أَوْ قِيرَاطَانِ».

حرمة اقتناء الكلب

     وبهذا يترجح مذهب الجمهور بحرمة اقتناء الكلب بغير حاجة لظاهر الأحاديث المتقدمة، وكذلك لما في اقتناء الكلب من تبعات مؤسفة؛ فمن ذلك حرمان البيت من دخول الملائكة فعن أبي طلحةَ الأنصاري أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا؛ فيه كلبٌ، ولا تماثيل».أخرجه مسلم.

قال النووي: «الملائكة الذين لا يدخلون بيتا فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار، وأما الحفظة فيدخلون كل بيت ولا يفارقون بني آدم في كل حال».

ومن التبعات التعرض لنجاسة الكلب المغلظة كما ثبت عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «طَهورُ إناءِ أحدِكم، إذا ولَغ فيه الكلبُ، أن يغسِلَه سبعَ مرَّاتٍ أُولاهنَّ بالتُّرابِ».أخرجه مسلم.

قال النووي: «لا فرق عندنا بين ولوغ الكلب وغيره من أجزائه، فإذا أصاب بوله أو روثه أو دمه أو عرقه أو شعره أو لعابه أو عضو من أعضائه شيئا طاهرا في حال رطوبة أحدهما وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب».

لا يجوز بيع الكلب ولا شراؤه

ومع القول بجواز اتخاذ الكلب للحاجة كما تقدم إلا أنه لا يجوز بيع الكلب ولا شراؤه، فعنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب، وقال: «إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا».

فقد دلت هذه الأحاديث على تحريم بيع الكلب مطلقا وهو قول الجمهور، ويجوز اقتناؤه بالهبة.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة