أخبار سريعة
الخميس 13 مايو 2021

مقالات » العبادة وأثرها في السلوك

للكاتب: د. محمد احمد لوح

نسخة للطباعة

العبادة وأثرها في السلوك

حديثنا يتناول موضوعًا من الموضوعات التي نحتاج إليها جميعا، وهو العبادة وآثارها السلوكية، وسأتناوله من خلال نقاط عدة هي: حقائق بين يدي الموضوع، كيف تؤثر العبادات على سلوك الناس، العوامل التي تبعث الحياة على العبادات.

حقائق بين يدي الموضوع

(1) العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة. فالعبادة في الإسلام شاملة لكل أمور الدين والدنيا، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (أخرجه البخاري ومسلم) وعبادة الله تتطلب النية الصادقة والإخلاص في العمل والاستقامة.

(2) أنواع العبادات

ويمكن تلخيص أنواع العبادات فيما يلي:

عبادات قلبية عقلية وفكرية عقدية

     عروتها الوثقى التأمل في الآيات التنزيلية والآيات الكونية تأملا يؤدي إلى تقوية الإيمان وتعميقه واليقين في عظمة الله وقدرته. قال الله -تعالى-: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران: 190-191).

- عبادات يؤديها المرء بجسده كالصلاة والوضوء والطهارة والصوم.

- عبادات يؤديها المرء بماله كالزكاة والصدقات.

- عبادات بدنية ومالية كالجهاد والحج.

- عبادات عبارة عن أعمال بشرية عادية كالزراعة والتجارة والأعمال الوظيفية إلا أنها يجب أن يقصد بها وجه الله -تعالى.

(3) المهمة التي خلق الله البشر من أجلها

المهمة التي خلق الله البشر من أجلها هي عبادته وحده لا شريك له، قال الله -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56).

(4) الله -جل وعلا- مستغن عن الخلق كلهم

     إن لله -جل وعلا- مستغن عن الخلق كلهم، ولا حاجة له -تبارك وتعالى- لعبادتهم كما جاء في الحديث القدسي: «لو أن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا» (أخرجه البخاري) وقد قال الله -تبارك وتعالى-: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} (الحج: 37).

(5) ثمرة العبادة حاصلة للعبد

     إن ثمرة العبادة حاصلة للعباد أولا وأخيرا، ولهذا قال العلماء: إن مبنى الشريعة على تحصيل مصالح العباد في الدنيا والآخرة، ودرء المفاسد عنهم في الدنيا والآخرة، فعبادة الله -جل وعلا- هي المنهج الذي يحفظ لهذا الكون انتظامه وسيره دونما خبط في أي ناحية من نواحي الحياة، وعلى أي مستوى من المستويات، واختلال هذه العبادة اختلال لنظام هذا الكون، ومن ثم دخوله في غيابات الضلال والفساد.

(6) العبادة سبيل سعادة البشرية

     إن أداء العبادة كما أمر الله بها هو سبيل سعادة البشرية بأكملها: فالعبادة هي الزمام الذي يكبح جماح النفس البشرية، أن تسقط في أوحال شهواتها، وهي السبيل الذي يحجز البشرية عن التمرد على شرع الله -تعالى-، فالخلل في أداء العبادة مؤذن بالخلل في انتظام الحياة البشرية من هذه الناحية.

(7) المقصود من العبادة

ليس المقصود من العبادة مجرد الحركات الظاهرة التي تمارسها الجوارح دون أن تؤثر في الباطن، وإنما المقصود مع ذلك: عمل القلب، من الإخبات والتذلل والخضوع بين يدي الله -عز وجل-، وذلك روح العبادة ولبها.

     إن الذي يؤدي العبادة ولم يقم في قلبه في أثناء ذلك مقام العبودية لله -عز وجل-، فكأنه ما أدى تلك العبادة، وبمعنى آخر فقد أدى صورة العبادة لا حقيقتها، ولذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (أخرجه البخاري)، ومع استمرار الغفلة، وشرود القلب في مواطن العبادة تصبح العبادة مجرد حركات ظاهرة، ليس لها أي أثر على قلب صاحبها، ومن ثم: ليس لها أي أثر على تصرفاته، فتصبح العبادة عادة.

العوامل التي تبعث الحياة في العبادات

     وبعد هذه الجولة القصيرة، ينبغي لفت الأنظار إلى أن هذه الآثار المفترض ترتبها على تلكم العبادات كثيرا ما نراها متخلفة عن أناس يؤدون هذه العبادات، فما الذي يفسر لنا ما نراه من سلوك بعض الناس المخالف لشرع الله في المعاملة وفي الخلق مع أنهم من المصلين ومن رواد المساجد، بل ربما من قارئي القرآن ومن صائمي الهواجر؟ الجواب: أن مجرد أداء العبادة دونما قىام بما تستلزمه لا يمكن أن تنتج الأثر المأمول، لذلك يلاحظ الفرق الكبير بين من يصلي ثم ينصرف من صلاته كما دخل فيها، وبين من إذا وقف استشعر أنه واقف بين يدي الله، فاستحضر نية التقرب إلى الله -عز وجل- عند شروعه في الصلاة، وقام وفي قلبه مقام العبودية لله -عز وجل-، وشعر بالانكسار بين يدي العزيز الجبار، ثم إذا قرأ القرآن أو تلاه أو ذكر الأذكار واطأ قلبُه لسانَه، فإذا قال مثلا: {اهدنا الصراط المستقيم}، فهو قد سأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، وهكذا حتى ينصرف من صلاته، انظر إلى حال هذا الرجل وحال من دخل في صلاته وقلبه في مكان آخر، فالقرآن والأذكار تتردد على لسانه وعلى حركات يده أو سبحته دون أن تتجاوزه إلى عقله أو فكره، وانظر إلى من إذا انصرف من صلاته قال: أستغفر الله ثلاث مرات وقلبه يطلب العفو والمغفرة من الله على ما حصل من تقصيره في هذه العبادة، وانشغال قلبه بغير الله فيها.

     ولهذا يقول - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» (صحيح الجامع)، ولذا حرص الشارع على التنويع في الأذكار وفي مواضع القراءة عند الصلاة لكي لا تتحول العبادة إلى عادة.

ثلاثة أمور يجب علينا تحصيلها

ويمكن أن نقرر أن هناك ثلاثة أمور كلف الله العبد أن يسعى في تحصيلها، وهي محور الاستفادة سلوكيا من العبادات: وهي: التقوى، والإخلاص، والإحسان.

التقوى

قال -تعالى-: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} (الحج: 37)، وقال -تعالى-: {وإياي فاتقون}، وقال -تعالى-: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}، وقال -تعالى-: {ولباس التقوى ذلك خير}، وقال -تعالى-: {واتقوا الله الذي إليه حشرون}.

الإخلاص

      قال -تعالى-: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}، وقال -تعالى-: {وادعوه مخلصين له الدين}، وقال -تعالى-: {فادعوا الله مخلصين له الدين}، وقال -تعالى-: {فاعبد الله مخلصا له الدين}، وقال -تعالى-: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين}، وقال -تعالى-: {قل الله أعبد مخلصا له دىني}.

الإحسان

      قال -تعالى-: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}، وقال -تعالى-: {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين}، وقال -تعالى-: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} وقال -تعالى-: {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} وقال -تعالى-: {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك جزي المحسنين}، وعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - الإحسان في كلمة جامعة فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (متفق عليه).

صفات ملازمة للعبادات

     إن هذه الأمور الثلاثة مقترنة بعضها ببعض، وهي صفات ملازمة للعبادات ذوات الأثر على السلوك، يتصف بها العبد لكي يتأثر بما يقوم به من العبادات، وليس من العبادات عبادة تكون وسيلة إلى اكتساب هذه الصفات ما عدا العبادات البعيدة بذاتها عن الرياء كالصوم فإنه وسيلة إلى التقوى، وهي أصعب الثلاثة، يليها الإحسان فالإخلاص، قال -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}.

غاية ما يتمناه العقلاء

والعبادة إذا وصلت إلى هذه المرتبة أنتجت أمورا، هي غاية ما يتمناه العقلاء، مثل:

(1) الخوف من الله وهوان الدنيا على العبد، فنرى مثل قصة ماعز، والمرأة الجهنية -رضي الله عنهما-، كما جاء في الصحيحين.

(2) الورع، فنرى مثل حال ذلك التاجر الذي أقفل دكانه ثلاثة أيام للبحث عن رجل اشترى منه شيئا وترك عنده درهما ونصف درهم على سبيل الخطأ.

(3) مراقبة الله، فنرى حالا كحال المرأة التي أصيبت بالسنين فلجأت إلى ابن عمها الذي كان يحبها، فقالت له-لما أراد بها سوءا-: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.

(4) الإيثار، فنرى صفات المؤمن التي ذكرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (متفق عليه).

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة