أخبار سريعة
الخميس 13 مايو 2021

مقالات » سيكولوجية السعادة في السّنّة النّبويّة - العمل الصالح والعلم النافع من مؤشرات السعادة في السّنّة النبوية

للكاتب: د. سندس عادل العبيد

نسخة للطباعة

سيكولوجية السعادة في السّنّة النّبويّة - العمل الصالح والعلم النافع من مؤشرات السعادة في السّنّة النبوية

ما زال حديثنا مستمرًا عن سيكولوجية السعادة في السنة النبوية، واليوم نتحدث عن العمل الصالح بوصفه أحد أهم مؤشرات السعادة في السنة النبوية. العمل الصالح هو الإحسان وفعل الحسنات، والحسنات هي فعل ما أحبه الله ورسوله، فما كان من البدع في الدين التي ليست مشروعة فإنّ الله لا يحبّها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح.

     والعمل الصالح شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده الواجبة والمستحبة، وهو مؤشر للسعادة في السّنّة النبوية؛ لما يحققه من تقدير لذات المسلم، وتحقيق الهوية الإسلامية الخيّرة، قال -تعالى-: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125)} (النساء: 125)، وقوله -تعالى-: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} (الكهف: 110)، قوله -تعالى- في الآية الأولى: {أسلم وجهه لله} وقوله -تعالى- في الآية الثانية {ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا} المراد إخلاص الدين لله وحده.

 

شرطان أساسيان 

والعمل لا يكون صالحًا إلا بتحقيق شرطين أساسيين، هما: الإخلاص لله -تعالى- بعيدًا عن الرياء والشرك وغيرها من أمراض القلوب، وبمتابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيعبد الإنسان الله -تعالى- على الكيفية التي علّمنا إياها النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير إحداث في الدين وبعيدًا عن الجهل والبدع والمخالفة، قال -تعالى-: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)} (الملك: 2)، وقال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9)} (يونس: 9)، وقال -سبحانه-: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)} (النور: 55)، وقال -عزّ وجلّ-:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7)} (العنكبوت: 7).

سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا

     قال رسول الله -صلّى اللهُ عَلَيْهِ وسلّم-: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إلى اللهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ»، في هذا الحديث دعوة إلى المحافظة على الأعمال الصالحة، والمداومة عليها وإن قلت.

     وجاء في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»، لم يسرع به نسبه: لم يلحقه برتب أصحاب الأعمال الكاملة، لأنّ المسارعة إلى السعادة بالأعمال لا بالأحساب، قال ابن عثيمين -رحمه الله-: «فإن من عمل فيها عملًا صالحًا صارت مزرعة له في الآخرة ونال السعادتين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة».

وقال الزمخشري في تفسير قوله -تعالى-: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} (هود: 105) «والشقي الذي وجبت له النار لإساءته، والسعيد الذي وجبت له الجنة لإحسانه».

 

العمل الصالح فضيلة 

     العمل الصالح فضيلة، وإذا وفق العبد له نال سعادة حقيقة، وطمأنينة وسكينة، وباب الأعمال الصالحة واسع، منها ما يدخل في إحسانه في عبادته وأداء حق الله -تعالى-، ومنها ما يدخل في إحسانه للعباد وأداء حقوقهم والإحسان إليهم بأوجه الإحسان الكثيرة، فالسعادة تتحقق للعبد إن صلحت علاقته مع ربه وأحسن في عبادته، وإن صلحت علاقته مع نفسه فأحسن إدارتها وقادها للطاعة والاستقامة، ومن ثم صلاح علاقته مع الناس بالإحسان لهم وتأدية حقوقهم، وهذه الأمور مذكورة في علم النفس أنها تحقق السعادة، من ناحية الاعتقاد ومعرفة النفس وإدارتها، ونجاح العلاقات، وهي في منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - ضمن مفاهيم أوسع وأضبط وأكمل.

     وكلما كانت الأفعال الخيرة تلقائية ومعتمدة على مصادر القوة الشخصية فاليوم كله أفضل، فممارسة الخير ليست مجرد متعة بل هي حالة من الإشباع المتكامل، فهي تشحذ قواك لأن ترتفع لحجم مناسب، وأن تواجه تحديات، فالفعل الخير لا يصاحبه تيار منفصل من الانفعال الإيجابي مثل الفرح، بل هو يتشكل من الاندماج الكامل وفقدان للوعي بالذات فالوقت يتوقف.

 

طلب العلم وأثره في تحقيق السعادة 

     قال ابن القيم: «وكمال كلّ إنسان إنّما يتم بهذين النوعين: همة ترقيه، وعلم يبصره ويهديه، فإنّ مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين أو من إحداهما، إما ألا يكون له علم بها فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالمًا بها ولا تنهض همته إليها»، ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرف العلم تابع لشرف معلومه كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له من دونها، ولا حياة له إلّا بها أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعزمات همته مسافرة إلى الحي الذي لا يموت، ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى والحظ الأوفى إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم -»، وهنا يؤكد -رحمه الله- على ضرورة وجود الإرادة والعلم الصحيح للوصول إلى السعادة.

فمحبة العلم وأهله محبة لميراث الأنبياء وورثتهم، ومحبة العلم من علامات السعادة، وبغض العلم من علامات الشقاوة، وهذا كله جاء به الرسل الكرام، وورثوه للأمة.

 رزق من الله 

     وطلب العلم رزق من الله يمن به -تعالى- على من صدق في طلبه، وفي طلب العلم بركة وخير كثير يناله طالب العلم، وفيه سعادة وطمأنينة ورقي للنفس وتزكية لها، لذلك كان من أهم أسباب السعادة طلب العلم الشرعي، والعلم الشرعي نوعان: فرض عين على العبد وهو ما يتعلق بتحقيق إيمانه وتطبيق شرائع الدين بطريقة صحيحة، وفرض كفاية كعلم المصطلح وأصول الفقه.

 فضل طلب العلم 

     وجاء في فضل طلب العلم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللهِ، وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ»، ومعناه أنّ الدنيا مذمومة مبعدة عن الله -تعالى- لا يحمد مما فيها إلّا ذكر الله -تعالى- وعالم أو متعلم، وما والَى ذكرَ الله، أي: قارَبه من ذِكرِ خيرٍ، وقيل: من: الموالاة، أي المتابعة، وما والَى ذِكرَه -تعالى-: طاعتُه واتباعُ أمرِه ونهيه وما أحبَّه الله، وتخصيص الحديث العلم بعد التعميم دلالة على فضله، ثم في عبارة «وعالمًا أو متعلِّمًا» بدل لفظ العلم تفخيمًا صريحًا لشأنهما، وفيه بيان أنّ جميع الناس سوى العالم والمتعلم همج، وتنبيه على أنّ المعنى بالعالم والمتعلم العلماء بالله الجامعون بين العلم والعمل؛ فيخرج منه الجهلاء والعالم الذي لا يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول وما لا فائدة منه، وفي الحديث أنّ ذكر الله -تعالى- رأس كلّ عبادة ورأس كل سعادة، بل هو كالحياة للأبدان والروح للإنسان، وهل للإنسان عن الحياة غنى؟ وهل له عن الروح معدل؟ وإن شئت قلت: به بقاء الدنيا وقيام السماوات والأرض.

     وجاء في فضل طلب العلم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»، ومعنى هذا الحديث أي: سهل الله له بسبب العلم طريقًا من طرق الجنة، وجاء لفظ العلم نكرة ليتناول كل أنواع العلوم الدينية ويندرج فيه القليل والكثير، والعلم كمال يوجب للعالم في نفسه شرفًا وفضلًا، ويتعدى منه إلى غيره، فيستضيء بنوره ويكمل بواسطته، لكنه كمال ليس للعالم من ذاته، بل نور يتلقاه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولذلك شبهه بالقمر.

 الإشباع الذاتي 

وطلب العلم يحقق للإنسان نوعا من الإشباع الذاتي، ويسد جانبا من حاجات النفس إلى المعرفة والاكتشاف، وفيه تهذيب لدوافع الإنسان وتهذيب لعواطفه وسلوكه.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة