أخبار سريعة
الإثنين 10 مايو 2021

مقالات » الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية - تطبيقات عملية للموازنات بين المصالح والمفاسد

للكاتب: د. محمد إبراهيم منصور

نسخة للطباعة

الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية - تطبيقات عملية للموازنات بين المصالح والمفاسد


ما زال الحديث مستمرًا حول الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية، وقد ذكرنا أن تقدير المصالح والمفاسد ليس أمرًا هينًا؛ لأنه منضبط بضوابط الشَّرع ونصوصه وقواعده، ولا يصلح أن يقوم به إلا أهل العلم الأثبات، الذين عرفوا نصوص الكتاب والسنة، ودرسوا مقاصد التشريع الإسلامي وميَّزوا بين أولويات الأحكام، وعرفوا خير الخيرين وشرَّ الشرَّين، وقد تحدثنا في الحلقات الماضية عن بعض القواعد التي لها علاقة بالمصالح والمفاسد والموازنة بينهما، واليوم نتحدث عن تطبيقات عملية للموازنات بين المصالح والمفاسد.

رابعا: المصالح والمفاسد في اختيار الولايات العامة

     يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (في السياسة الشرعية): ليس عليه أن يستعمل الا أصلح الموجود، وقد لا يكون في الموجود من هو أصلح لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام وأخذه للولاية بحقها، فقد أدى الأمانة، وقام بالوجب فيها، وصار عند الله من أئمة العدل المقسطين، وإذا اختلت بعض الأمور لسبب من غيره إذا لم يكن إلا ذلك فإن الله -تعالى- يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ويقول -سبحانه-: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، وقال -تعالى- في الجهاد في سبيل الله: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ}، وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، لكن إن كان منه عجز بلا حاجة أو خيانة عوقب على ذلك، وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب؛ فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، قال -تعالى-: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ} وقال صاحب مصر ليوسف -عليه السلام-: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} والقوة في كل ولاية بحسبها.

الواجب في كل ولاية

     وقال شيخ الاسلام: اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ولهذا كان عمر - رضي الله عنه - يقول: «اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة»، فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإن تعين رجلان أحدهما أعظم أمانه والآخر أعظم قوة قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررًا فيها، فيقدم في الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينًا.

التفضيل بين الرجلين في الغزو

     كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؟ فقال أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين؛ فيغزى مع القوي الفاجر وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»، وإن لم يكن فاجرًا كان أولى بإمارة الحرب من هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده،

الموازنة بين المصالح والمفاسد في إقامة الحدود الشرعية

     قال ابن القيم فصل: النهي عن قطع الأيدي في الغزو، المثال الثاني أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى أن تقطع الأيدي في الغزو» رواه أبو داود فهذا حد من حدود الله -تعالى- وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا كما قاله عمرو أبو الدرداء وحذيفة وغيرهم، وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام على أرض العدو،وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره، فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو، وقد أتى بشر بن أرطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنة، فقال لولا: أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تقطع الأيدي في الغزو لقطعت يدك» رواه أبو داود. وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة. (إعلام الموقعين عن رب العالمين) ج3/4/5.

الموازنة بين المصالح والمفاسد في قضية الجهاد

     قال العز بن عبد السلام -رحمه الله-: «التولي يوم الزحف مفسدة كبيرة، لكنه واجب إن علم أنه يقتل في غير نكاية في الكفار؛ لأن التغرير في النفوس جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين، فإن لم تحصل النكاية وجب الانهزام لما في الثبوت من قوات النفوس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ليس في حيلها مصلحة». قواعد الأحكام ج 1/112-111

     وقال الشوكاني في تفسير قوله -تعالى-: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}: والحق الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا وبه، قال ابن جرير الطبري: ومن جملة ما يدخل تحت الآية أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل مع الجيش مع عدم قدرته على التخلص وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين.

الأحكام شرعت لمصالح العباد

     ويقول الإمام الشاطبي في الموافقات: «لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد، وكانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأنه مقصود الشارع كان الأمر في ظاهره وباطنه على المشروعية بلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقا والمصلحة مخالفة فالعمل غير صحيح وغير مشروع، لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لنفسها وإنما قصد بها أمور أخر هي معانيها وهي المصالح والتي شرعت لأجلها».اه، وعلى ذلك إذا لم يحقق الجهاد المصالح المرجوة منه بل حقق مفاسد أو رجحت كفة مفاسد القتال على مصالحه كان القتال ممنوعًا محظورًا.

تحقيق الغاية من الجهاد

     ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسئيات وتزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها؛ فإن الأمر والنهي -وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة- فينظر في المعارضة له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به بل يكون محرمًا، إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته»1ه

فالجهاد مع عدم تحقيق الغاية منه لا يجوز؛ لأن الجهاد في سبيل الله شُرع {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} فإذا أصبح الجهاد نفسه محدثًا للفتنة في الدين ومانعًا من تعبيد الناس لله، وصدا للناس عن دعوة الحق صار حرامًا لأنه لم يحقق مقصوده.

أفعال التكفيريين

     أما أفعال التكفيريين فإنها كلها فساد وإفساد، شوهت صورة الإسلام، ونفرت الناس من الدين، وأعطت الذريعة لأعدائنا للتدخل في شؤوننا، وأشغلوا الدول والدعاة والعلماء بمواجهتهم بدلا من الالتفات إلى ما هو أهم وأولى فضلا عن إزهاق الأرواح المعصومة وزعزعة استقرار البلاد وترويع الناس.

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة