أخبار سريعة
الأربعاء 16 يونيو 2021

مقالات » الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - الأحكام المستفادة من قصة أهل الكهف - أحكام بناء المساجد على القبور

للكاتب: د.وليد خالد الربيع

نسخة للطباعة

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - الأحكام المستفادة من قصة أهل الكهف - أحكام بناء المساجد على القبور

 

قال -سبحانه-: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا (سورة الكهف: 21).

     قال ابن سعدي -رحمه الله-: «يخبر الله -تعالى-، أن الناس قد اطلعوا على حال أهل الكهف، وذلك -والله أعلم- بعدما استيقظوا، وبعثوا أحدهم يشتري لهم طعامًا، وأمروه بالاستخفاء والإخفاء، فأراد الله أمرًا فيه صلاح للناس، وزيادة أجر لهم، وهو أن الناس رأوا منهم آية من آيات الله، المشاهدة بالعيان، على أن وعد الله حق لا شك فيه ولا مرية ولا بعد، بعدما كانوا يتنازعون بينهم أمرهم، فمن مثبت للوعد والجزاء، ومن ناف لذلك، فجعل قصتهم زيادة بصيرة ويقين للمؤمنين، وحجة على الجاحدين، وصار لهم أجر هذه القضية، وشهر الله أمرهم، ورفع قدرهم حتى عظمهم الذين اطلعوا عليهم. و{فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا} الله أعلم بحالهم ومآلهم، وقال من غلب على أمرهم، وهم الذين لهم الأمر: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} أي: نعبد الله -تعالى- فيه، ونتذكر به أحوالهم، وما جرى لهم».

الأخذ بظاهر الآية

     وقد أخذ بظاهر هذه الآية الكريمة بعض العلماء، وقال بجواز بناء المساجد على القبور، وجواز الصلاة فيها تبركا بالصالحين؛ منهم الشهاب الخفاجي؛ حيث قال في حاشيته على تفسير البيضاوي: «وكونه مسجداً يدل على جواز البناء على قبور الصلحاء ونحوهم»، ومنهم الزمخشري حيث قال في الكشاف: «{قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ} من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم {لَنَتَّخِذَنَّ} على باب الكهف {مَسْجِداً} يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم».

دعوى مخالفة

     وقد رد كثير من العلماء على هذه الدعوى المخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة قديما وحديثا، فقال الألوسي: «هذا واستدل بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء واتخاذ مسجد عليها وجواز الصلاة في ذلك، وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد».

ومن قبله قال القرطبي: «اتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها، إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه ممنوع لا يجوز»، وقال أيضا: «قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد».

هذه الحالة محظورة

     وقال ابن سعدي في الرد على الاستدلال بظاهر الآية: «وهذه الحالة محظورة، نهى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذم فاعليها، ولا يدل ذكرها هنا على عدم ذمها، فإن السياق في شأن تعظيم أهل الكهف والثناء عليهم، وأن هؤلاء وصلت بهم الحال إلى أن قالوا: ابنوا عليهم مسجدا، بعد خوف أهل الكهف الشديد من قومهم، وحذرهم من الاطلاع عليهم، فوصلت الحال إلى ما ترى».

شرع من قبلنا

     فلو قيل: إن الآية في سياق شرع من قبلنا وهو شرع لنا؛ إذ لم ينكر الله -تعالى- ذلك في القرآن، فالجواب: أن شرع من قبلنا شرع لنا بشروط منها أن يثبت بشرعنا وألا يخالف شرعنا، وقد ورد في السنة من الأحاديث الصريحة الصحيحة ما يدل على نسخ ذلك والنهي عنه والتحذير منه أشد التحذير، وإنكار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إنكار الله -سبحانه-، وقد جمع هذه الأحاديث ونقل اتفاق المذاهب الأربعة على تحريم ذلك الشيخ الألباني -رحمه الله- في كتابه النفيس (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد)، وذكر شبهات المجيزين وأجاب عنها، فمن تلك الأحاديث:

1 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا «متفق عليه. أي: كشف قبره ولم يتخذ عليه الحائل. والمراد دفن خارج بيته كذا في فتح الباري.

2- عن أبي هريرة -  رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» متفق عليه.

3- عن عائشة وابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: «لعنة الله على اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». تقول عائشة: «يحذر مثل الذي صنعوا «متفق عليه.

4- عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لما كان مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها: مارية، وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة، فذكرن من حسنها وتصاويرها قالت: فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه فقال: «أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» متفق عليه.

5- عن جندب بن عبد الله البجلي أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «قد كان لي فيكم إخوة وأصدقاء، وإني أبرأ إلى الله أن يكون لي فيكم خليل، وإن الله -عز وجل- قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» أخرجه مسلم.

حرمة اتخاذ القبور مساجد

     فظاهر الأحاديث يدل على حرمة اتخاذ القبور مساجد، وقد بيّـن الشيخ الألباني -رحمه الله ومن قبله الشافعي وشراح الحديث- أن الاتخاذ المذكور في الأحاديث يشمل الصلاة على القبورـ بمعنى السجود عليها، واستقبالها بالصلاة والدعاء، وبناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها، وهذا من جوامع كله - صلى الله عليه وسلم -، ونقل عن الشافعي أنه قال في كتابه الأم: «وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى، وأن يصلى عليه وهو غير مسوي، أو يصلى إليه»، والكراهة هنا للتحريم وليس المقصود الكراهة التنزيهية؛ لأن الشافعي يقول بمقتضى الأحاديث، وهي تدل على التحريم ولا صارف للكراهة.

وأختم بما قاله ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد: «نص الإمام أحمد وغيره على أنه إذا دفن الميت في المسجد نبش». وقال ابن القيم أيضًا: «لا يجتمع في دين الإسلام قبر ومسجد، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق».

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة