أخبار سريعة
الأربعاء 12 مايو 2021

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: في قبولِ الصَّدقة تقع في غيرِ أهْلها

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَال: «قَال رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، قَال: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، قَال: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ؛ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَال: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَه: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِها عَنْ زِنَاهَا، وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ»، الحديث رواه مسلم في الزكاة (2/709) باب: ثبوت أجر المتصدق وإنْ وقعت الصدقة في يد غيرِ أهلها، ورواه البخاري في كتاب الزكاة (1355) باب: إذا تصدق على غني وهو لا يعلم.

     قوله: «في قبولِ الصَّدقة تقع في غيرِ أهْلها» أي: أنّها تُقبل ولو وقعت في يد مَنْ لا يَستحق، وتبويب البخاري: باب إذا تصدّق على غني وهو لا يعلم، أي: فصدقته مقبولة. وقوله -تعالى-: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} إذا تصدّق على غني وهو لا يعلم.

قوله: «لأتصدقن الليلة»

- قوله: «قال رجل» لم نقف على اسمه، ووقع عند أحمد من طريق ابن لهيعة عن الأعرج في هذا الحديث: أنَّه كان من بني إسرائيل، وقوله: «لأتصدقن الليلة» وفي رواية للبخاري: «لأتصدقن بصدقة»، وكرّر كذلك في المواضع الثلاثة. وقوله: «لأتصدقن» من باب الالتزام كالنذر مثلاً، والقسم فيه مُقدّر، كأنّه قال: والله لأتصدقنّ.

قوله: «فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ»

- أي: خرج هذا الرجل بعد أنْ أظلم الليل، وستره بظلامه، يبْحث عمَّن يضع صدقته في يده، فوجد امرأةً ظنها فقيرة، فأعطاها صدقته. قوله: «فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ على زَانِيَةٍ». «تصدق» بضم أوله على البناء للمفعول.أي: تندر الناس في مجامعهم وأسواقهم في صبيحة اليوم التالي بالمتصدق، الذي وضع ماله في يد امرأةٍ زانية! وشاع الخبر وذاع وبلغ الرجل فتعجب من ذلك وآلمه. « فقال: اللهم لكِ الحمد على زانية» أي: لأن صدقته وقعت بيد مَنْ لا يستحقها، أي: فلك الحمد حيث كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي، فإنَّ إرادة الله كلها جميلة.

سلَّم ورضي بقضاء الله

- قال الطيبي: لما عزم على أنْ يتصدَّق على مُسْتحق، فوضعها بيد زانية، حمد الله على أنَّه لم يقدر أنْ يتصدَّق على مَنْ هو أسْوأ حالاً منها، أو أجْرى الحمد مجرى التسبيح، في استعماله عند مشاهدة ما يتعجب منه؛ تعظيما لله، فلما تعجَّبوا مِنْ فعله، تعجب هو أيضا، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، أي: التي تصدقت عليها، فهو متعلق بمحذوف. انتهى.

- قال الحافظ: ولا يخفى بُعد هذا الوجه، وأما الذي قبله فأبعد منه. والذي يظهر الأول وأنه سلَّم وفوض ورضي بقضاء الله، فحمد الله على تلك الحال، لأنه المحمود على جميع الحال، لا يُحمد على المكروه سواه، وقد ثبت أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى ما لا يعجبه قال: «اللهم لك الحمدُ على كل حال».

 قوله: «فأتي فقيل له»

     وقوله في رواية البخاري: «فأتي فقيل له» في رواية الطبراني في «مسند الشاميين»: «فساءه ذلك فأُتِى في منامه». وأخرجه أبو نعيم في المستخرج عنه، وكذا الإسماعيلي، وفيه تعيين أحد الاحتمالات التي ذكرها ابن التين وغيره. قال الكرماني: قوله «أتي» أي: أُري في المنام، أو سمع هاتفاً ملكا أو غيره، أو أخبره نبيٌّ أو أفتاه عالم وقال غيره: أو أتاه مَلَك فكلّمه، فقد كانت الملائكة تكلم بعضهم في بعض الأمور. وقد ظهر بالنقل الصحيح أنَّها كلها لم تقع، إلا النقل الأول.

 قوله: «لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ»

- قوله: «لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ» أي: خرج في الليلة التالية ليتصدّق، فوضع صدقته بيد غني غير محتاج. قوله: «فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ» قَال: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ؛ عَلَى غَنِيٍّ، وعزم على أن يُعيد الكرة في الليلة التالية، لأنه كان يظن أنَّ صدقته قد ذهبت هباءً منثوراً، ولم تقع موقعها عند ربه.

- وقوله: «فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ» أي: وهو لا يعلم أنّه سارق، «فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَال: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ» فقال كما قال بالأمس: اللهم لك الحمد.

- وقوله: «فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق» في رواية أبي أمية: تصدق الليلة على سارق. وفي رواية ابن لهيعة: تصدق الليلة على فلان السارق. ولم أر في شيء من الطرق تسمية أحد من الثلاثة المتصدق عليهم، قاله الحافظ.

- وقوله: «أما صدقتك على سارق» زاد أبو أمية: «فقد قبلت». وفي رواية موسى بن عقبة، وابن لهيعة: «أما صدقتك فقد قُبلت». وفي رواية الطبراني: «إن الله قد قبل صدقتك».

- وقوله: «فقال: الحمد لله على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فجيء إليه» إما جيء إليه في المنام، فرأى رؤيا صالحة، أو غير ذلك كما سبق.

- وقوله: «فَأُتِيَ فَقِيلَ لَه: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِها عَنْ زِنَاهَا، وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ» فيه: رجاء الاستعفاف لهؤلاء عن هذه المنكرات، ففيه فضل وأثر الصدقات على الأفراد والمجتمعات، قال النووي: وَفِيهِ ثُبُوت الثَّوَاب فِي الصَّدَقَة، وَإِنْ كَانَ الْآخِذ فَاسِقًا وَغَنِيًّا ؛ فَفِي كُلّ كَبِد حَرى أَجْر، وَهَذَا فِي صَدَقَة التَّطَوُّع، وَأَمَّا الزَّكَاة فَلَا يُجْزِي دَفْعهَا إِلَى غَنِيٍّ.انتهى.

فوائد الحديث

- للإخْلاص آثار عظيمة، ومن الآثار الحميدة له، والتي أشار إليها هذا الحديث، أن صاحبها قد ينتفع بأعمال أناسٍ لم يكن له توجيهٌ لهم مباشر إلى الخير، بل كان مجرّد سبب ساقه الله إليهم، فتغيّرت أحوالهم به، فالسارق والزانية والغنيّ- كما في القصة- قد ينصلح حالهم، وتحسن فعالهم، بصدقة المتصدق، فينال بسببهم أجراً عظيماً، ما كان يحتسبه ولا يجري بخلده.

فضل صدقة السر

- وفيه: فضل صدقة السر، وأنَّ إخفاء الصدقة حين تكون تطوعاً أولى وأحب إلى الله من الجهر بها، وأجْدر أنْ تبرأ من شوائب التظاهر والرياء. ووجه ذلك: أنَّ الصدقة المذكورة في الحديث وقعت بالليل، فأمَّا حين تكون أداء للفريضة فإن إظهارها فيه معنى الطاعة، وفشو هذا المعنى وظهوره خير، قال -تعالى-: {ِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (البقرة: 271)، وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أنّ هذه الآية في صدقة التطوع؛ لأنَّ الإخْفاء فيها أفضل من الإظهار، وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها، لانتفاء الرياء عنها، وليس كذلك الواجبات، قال الحسن: إظهار الزكاة أحسن، وإخفاء التطوع أفضل؛ لأنه أدل على أنه يراد الله -عز وجل- به وحده. وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها، ونقل الطبري وغيره الإجماع على أنَّ الإعلان في صدقة الفرض أفضلُ من الإخفاء، وصدقة التطوع على العكس من ذلك، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة «. رواه مسلم، وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء، والنوافل عُرضة لذلك.

 الجهر بالصدقة

- وفى الحديث أيضا: «صَدقةُ السِّر؛ تُطفئ غضب الرب». رواه الطبراني والبيهقي، فالجهر بالصدقة يكون أفضل في حالات، منها:

أداء فريضة الزكاة

(1) أداء فريضة الزكاة وإعلانها بوصفها شعيرة من شعائر الإسلام، وهذا مستفيض من حال الصحابة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أدائهم الزكاة، فعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: «اللهم صل على آل فلان». فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى «. رواه البخاري ومسلم.

في المصلحة العامة للمسلمين

(2) في المصلحة العامة للمسلمين، كالنفقة في سبيل الله والجهاد، أو بناء مسجد أو مدرسة أو مستشفى أو إغائة لمسلمين...الخ، وهو الظاهر من النصوص، وأن الإعلان عنها أفضل إذا كان الأمر يتعلق بمجموع المسلمين، وذلك لبثِّ روح التنافس على الخير، والمسابقة للخيرات، كما في غزوة تبوك، حينما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة للإنفاق، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، واستجاب الصحابة له -رضوان الله عليهم-، فأنفق كل منهم بحسب قدرته.

- وأيضا: كان السلف يعطون زكاتهم للسعاة، وكان مَنْ أخفاها اتُهم بعدم الإخراج، وأما اليوم فصار كل أحد يخرج زكاته بنفسه، فيكون إخفاؤها أفضل، وإن كان المتطوع ممن يقتدى به ويتبع، وتنبعث الهمم بعمله على التطوع بالإنفاق، فالإظْهار أولى، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» متفق عليه.

وقوع الصدقة في موضعها الصحيح

- وفيه: أنه ليس المهم أن تقع الصدقة في موضعها الصحيح، إنما المهم هو حُسن القصد وتصحيح النيّة، ولا يعني ذلك ترك التحرّي عن حال السائلين، وكشفِ الصادق من الكاذب، ولكنّ المذموم هو المبالغة في ذلك والتكلّف فيه، وأنه على المؤمن أنْ يتحرى ويجتهد في إخراج الصدقة، وهو مأجور حتى ولو وقعت في يد غير أهلها، فهذا رجل اجتهد وتصدق؛ فصادفت صدقته أنها وقعت في يد إنسان معروف بالسرقة يسرق، فتحدث الناس تصدق اليوم على سارق وعلى زانية، فلم يضرّه ذلك.

- وفي الحديث: فضل الإخلاص، وأنَّ نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته؛ ولو لم تقع الموقع، واختلف الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض، فمنهم من استدل بالحديث على الإجزاء، ومن ثم أورد البخاري الترجمة بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحكم، ففال: باب: إذا تصدق على غني وهو لا يعلم.

استحباب إعادة الصدقة

- وفيه: استحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع الصحيح، وأنَّ الحُكم للظاهر حتى يتبين سواه.

- وفيه: فضل الرؤيا الصادقة كما في سياق القصّة، والرؤيا تُطلق على ما يراه النائم، وتكون حقّاً من عند الله -تعالى- بما تحمله من بشارة أو نذارة، ولذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنْ اللَّهِ». رواه البخاري.

فضل التسليم بالقضاء والقدر

- وفي الحديث دلالةٌ على فضل التسليم بالقضاء والقدر وبركة ذلك، وذم التضجر به، وحمد الله -سبحانه وتعالى- في جميع الأحوال، في المَنْشط والمكره، والعُسر واليسر، اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يكثر من الثناء على الله والتمجيد له، مهما نزلت به من صروف الحياة وابتلاءاتها، وقال بعض السلف: لا تقطع الخدمة، ولو ظهر لك عدم القبول.

- وفيه: أنّ الله -تعالى- يُبدل الحُزن فرحا كيف شاء، والعسرُ يسراً.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة