أخبار سريعة
الأربعاء 12 مايو 2021

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: في المُنْفق والمُمْسك

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا». الحديث رواه مسلم في الزكاة (2/700) باب: في المُنفق والممسك. ورواه البخاري في الزكاة (1442) باب: قول الله -تعالى-: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} (الليل: 5- 10). اللهم أعطِ مٌنفقا مالا خلفا.

     قوله: «مَا مِنْ يَوْمٍ» ما من يوم، يعني: ليس من يوم، وحرف «من» زائدة، وقوله: «يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا» يخبِرُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه ما مِن يومٍ يُصبِحُ العِبادُ فيه، وذلك إلى قِيامِ السَّاعةِ، إلَّا ويُنزِلُ اللهُ ملَكَينِ مِن مَلائكتِه المُكرَّمِينَ في السَّماءِ، إلى الأرض، وهذا على الحقيقة، فيدْعو أحدُهما بأنْ يَعطيَ اللهُ للمُتصدِّقِ، والمُنفِقِ في وُجوهِ الخيرِ والبِرِّ، وعلى الأهل والعيال والضيفان، عِوَضا وخَلَفًا عمَّا أنفَقه وأعطاه للناس.

مَنْ يُمسكُ ماله عمَّا أوجبَ الله عليه فيه

     قوله: «وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» أي: ويدْعو المَلَكُ الآخَرُ: بأنْ يُعطيَ اللهُ للمُمسِكِ البَخيلِ تلَفَاً في مالِه أو نفْسِه، أو هلاكَاً أو ضَياعَاً، والمراد بذلك: مَنْ يُمسكُ ماله عمَّا أوجبَ الله عليه فيه، وليس كل مُمسك يُدْعى عليه، بل الذي يُمْسك ماله عنْ إنفاقه فيما أوجب الله، فهو الذي تدعو عليه الملائكة بأنْ يُتلفه الله، ويُتلف ماله.

إتلاف المال بعدم الإنفاق

     وإتلافُ المال بسببِ الإمْسَاك عن الإنفاق الواجب، إنْ كان يشمل المسلم، فهو يشمل الكافر منْ باب أولى، فإنهم مخاطبون بفروع الشريعة على الصحيح، ومعلومٌ أنَّ دُعاءَ الملائكةِ مُجابٌ؛ فهذا وعدٌ من الله -تعالى- بالتَّيسير والبركة لِمَن يُنفِقُ في وُجوهِ البِرِّ، ووَعيدٌ بالتَّعسيرِ والهلاك للبخيلِ المُمسِكِ.

الكافر يُجازى بما فعله

     وذكر الحافظ النووي -رحمه الله- أنَّ الكافر يُجازى بما فعله تقربًا إلى الله مما لا تفتقر صحته إلى النيَّة، كالصَّدقة، قال -رحمه الله- في شرحه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأمَّا الكافرُ فيُطْعم بحسناتِ ما عَمِل بها لله في الدنيا» فقال: أَجْمَعَ العُلَمَاءُ على أَنَّ الْكَافِرَ الّذِي مَاتَ علَى كُفْرِهِ؛ لَا ثَوَابَ لَهُ في الْآخِرَةِ، ولَا يُجَازَى فِيها بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ في الدُّنْيَا مُتَقَرِّبًا إِلى اللَّهِ -تعالى-، وصَرَّحَ في هذَا الحَديثِ بِأَنْ يُطْعَمَ فِي الدُّنْيَا بِمَا عَمِلَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ، أَيْ بِما فَعَلَهُ مُتَقَرِّبًا بِهِ إِلَى اللَّهِ -تعالى- مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ صِحَّتُهُ إِلَى النِّيَّةِ، كَصلَةِ الرَّحِمِ، والصَّدَقَةِ، والْعِتْقِ، والضِّيَافَةِ، وتَسْهِيلِ الْخَيْرَاتِ، ونحْوِهَا. انتهى.

فوائد الحديث

وفي الحديث فوائد عدة منها ما يلي:

المال فتنة واختبار

     أنَّ المال الذي أعطاه الله -تعالى- بني آدم، هو فتنة واختبار لهم؛ ليبلوهم هل يُحْسنون التصرَّف فيه أم لا؟ كما قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } (التغابن: 15)، فمن الناس من يكون له الإنفاقُ الممدوحُ، وهو ما كان في الطَّاعاتِ والتطَوُّعِات، وعلى العيالِ والضِّيفان ونحوهم، وكان عن طِيبِ نفْسٍ، وطِيبِ كسْبٍ، وابتغاء وجه الله، وفيما يُقرِّب إلى الله -عز وجل-، فهذا في أعلى الدرجات، ومن الناس مّن يُمسك عن المَندوباتِ، ويقتصر على الواجبات، فهذا أقل من السّابق، ولكن له نصيبٌ من دعاء الملائكة، ومن لا يَستحِقُّ هذا الدُّعاءَ، وهو مّن يَغلِبَ عليه البُخلُ المذمومُ؛ بحيثُ لا تَطيبُ نفْسُه بإخراجِ الحقِّ الَّذي عليه، ولو أخرَجه فلا يقبل منه، ومن الناس من ينفقه في شهواته المُحرّمة، وفي لذائذه التي لا تزيده منَ الله إلا بُعدًا، فهذا يكون ماله وبالاً عليه والعياذ بالله، ومن الناس من يبذل ماله في غير فائدة ولا مصلحة، ليس في شيء محرم ولا في شيء مشروع، فهذا ماله ضائع عليه.

الوثوق بوعد الله

     ومن الفوائد أنه ينبغي للإنسان إذا بذل ماله فيما يُرضي الله -تعالى-، أنْ يكون واثقًا بوعدِ الله -سبحانه وتعالى- له بالعوض؛ حيث قال في كتابه: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِين} (سبأ: 39)، (فَهُوَ يُخْلِفُهُ) أي: يُعطيكم خلفًا عنه. ومنه الحديث: «اللهم أجُرني في مُصيبتي، وأَخلف لي خيرًا منها» أي: ارْزقني خَلَفًا عنها خيرًا منها، فالله -عز وجل- وعد في كتابه أنّ ما أنفقه الإنسان، فإنّ الله يخلفه عليه، ويعطيه خلفًا عنه، وكما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قال الله -تعالى-: «يا ابن آدم، أنْفق يُنْفق عليك». متفق عليه.

الإتلاف نوعان

     ومن الفوائد: أن الإتلاف -كما قال العلماء- نوعان: تلفٌ حسِّي، وتلفٌ معنوي، أما التلفُ الحسي: فهو أنْ يتلف المال نفسه، بأنْ تأتيه آفة تَحرقه، أو يغرق، أو يُسرق أو ما أشبه ذلك، والتلف المعنوي: أنْ تُنزع بركته؛ بحيث لا يستفيد الإنسان منه في حسناته، ولا يزيد في درجاته، ومنه ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قال لأصحابه: «أيكم مال وارثه، أحبّ إليه من ماله؟، قالوا: يا رسول الله، ما منَّا أحدٌ إلا وماله أحب إليه، قال: فإنَّ ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أخر». متفق عليه، فهذا الحديث فيه حكمة عظيمة ممن أوتي جوامع الكَلِم - صلى الله عليه وسلم -، فمالك هو الذي تقدّمه لله -عز وجل-، فتجده أمامك يوم القيامة، ومال الوارث هو ما يبقى بعدك، والذي ينتفع به هو من يأكله، وهو الوارث، فهو مال لوارثك على الحقيقة.

فضل الإنفاق في سبيل الله

ومن فوائد الحديث ما جاء في فضل الإنفاق في سبيل الله: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا حَسدَ إلا في اثنتين»؛ يعني لا غِبطة، فلا أحد يُغبط على ما أعطاه الله -سبحانه وتعالى- مِنْ مالٍ وغيره، إلا في اثنتين فقط:

- الأولى: «رجلٌ أتاه الله مالاً، فَسَلَّطه على هلكته في الحق»، أي: صار لا يبذله إلا فيما يُرضي الله -تعالى-، فهذا يُحسد؛ فمن ينفق أمواله في سبيل الله، في الخيرات، وفي أعمال البر، وفي إعانة الفقراء، أو بناء المساجد، أو بناء المدارس، أو طبع الكتب، أو الإعانة على الدعوة في سبيل الله، وما أشبه ذلك، فهذا سلَّطه على هلكته في الحق.

- والثانية: من الناس مَن يسلط ماله على هلكته في الشَّهوات المحرمة والعياذ بالله، فيسافر إلى الخارج فيزني، ويشرب الخَمر، ويلعب القمار، ويُتلِف ماله فيما يغضب الرب -عز وجل-، فهو من الهالكين الموعودين بالتلف.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة